…ثم ها هو الزَّمخشري يكتب مقاماته العجيبة ؛ لرؤية غريبة ، يقول في ذلك عن نفسه:"والذي ندبه لإنشائها: أنه أُرِي في بعض إغفاءات الفجْر ، كأنَّما صوَّت به من يقول له: ( يا أبا القاسم: أجلٌ مكتوب ، وأمل مكذوب ) . فهبَّ من إغفاءاته تلك مشخوصًا به ممَّا هاله من ذلك وروَّعه ، ونفَّر طائِره وفزَّعه ، وضمَّ إلى هذه الكلمات ما ارتفعت به مقامه" (1) .
…إذا عرفت ذلك كُلَّه: فإنّي شارعٌ - بحول الله وقوته - في الردِّ على ما يدَّعيه مَنْ خالفنا ، مُتَّخذًا من المُقدِّمات السَّابقات ميزانًا أحتكم إليه معهم ؛ حتى لا تزلَّ قدمٌ بعد ثُبوتها .
السؤالات
………السؤال الأول: على من ينقمون ؟
………السؤال الثاني: ماذا ينقمون ؟
………السؤال الثالث: كيف ينقمون ؟
………السؤال الرابع: لماذا ينقمون ؟
السؤال الأول: على من ينقمون ؟
…إنَّهم لم يشتغلوا بأن يَنْقِموا على عَلْمَانيٍّ قد فصل الدين وعرَّاه ، ولا على مُسْتشرقٍ قد حرَّف مصادر الإسلام وأوهى عُراه ، ولا على مُنافقٍ يكتب في كُلِّ صحيفةٍ وجريدة ، ولا على مُشكِّكٍ يُصبِّحنا ويُمسِّينا بِشُبهٍ جديدة ، ولا على مُسْتغْربٍ يَنْشُر بيْننا الكبائِر ، ولا على عدوٍّ كافرٍ يتربَّص بنا الدَّوائِر . إذًا … فعلى من ينقمون ؟!
…إنَّهم ينقمون - والله المُستعان - على من يُعلِّم عبادَ الله دينهم ، وينْشر بينهم سُنَّة نبيِّهم ، ويُقرِّر لهم الآداب والفضائل ، ويُحرِّر لهم الأحكام والمسائل . إنهم ينقمون على من أشغل ليله ونهاره وإقامته وأسفاره بشرح طيِّب العلوم والمعارف ، ونشْر الفوائِد لكل طالب علم وعارف .
إنَّهم ينقمون على من كان العلمُ شعارَه ، والحِلم دِثارَه ، والورعُ وقارَه ، والكتابُ أنيسَه، والفكرُ جليسَه . فهل مثل هذا يستحقُّ ما فعله أولئك ؟!
(1) انظر: ( مقامات الزمخشري ) ، [17] .