…وما سبق ذكره - من أدب الجدال وأخلاق المُجادل - سنسعى جاهدين في التزامه مع مُخالفنا في هذه الرسالة ؛ فلن ترى إلاَّ حرفًا بليغًا ، ولفظًا نزيهًا ، وجوابًا مُقنعًا ، وعزوًا مُوثَّقًا . كُلُّ ذلك مع جعل الحق مقصدًا غيرَ مكروه ، ولا أدَّعي بذلك كمالًا ولكنني أرجوه ، وأسأل الله في ذلك توفيقًا وأدعوه .
المُقدِّمة الرابعة: الباعث على إخراج هذه المباحث .
…إذا عرفت - يا رعاك الله - فيما سلف: من أنَّ الاختلاف جائِزٌ عقلًا واقعٌ شرعًا ، وأنَّ الحدَّ من ذلك بالمُناقشة بلا مُفاحشةٍ مستساغٌ طبعًا ، وأنًَّه لاشِية في ذلك كُلِّه إذا كانت إرادة الحقِّ له دِرْعًا ؛ إذا عرفت ذلك كُلَّه: عذرت كاتبَ هذه المقالة على إخراج هذه الرِّسالة .
…هذا ... إن لم تشفع الاعتذار بالدُّعاء له بالتوفيق والاقتدار . يقول الإمام أبو حنيفة - يرحمه الله - على لسان العالم ينصح المُتعلِّم:"أصلحك الله لا تكوننَّ منك العجلة ، وتثبَّت في الفُتْيا ؛ فإن أنكرت شيئًا مما أذكره لك فسل عن تفسيره إن كنت مُناصحًا ، فرُبَّ كلمةٍ يسمعها الإنسانُ فيكرهها ، فإذا أُخبر بتفسيرها رضي بها" (1) .
…وإذا عرفت - ثانيًا - بأنَّ هذه الرسالة تجيء نُصْرةً لعالمٍ فضلًا عن أن يكون مظلومًا فحسب ، وقمعًا لباطلٍ أذاعه المُخالفون في كُلِّ طريق ومذهب ؛ أيقنت - هنا - بأن هذا المكتوب لم يخب .
…فإن قلت: كان من المُمكن أن تكون نُصرتُك له بأكثر من أمر ، بعيدًا عن هذا التكلُّف والهذر . فأقول: اسمع إلى هذا الخبر:
(1) انظر: ( العالم والمتعلم . لأبي حنيفة - إن صحَّت النسبة إليه ! - ) ، [55] .