…وإذا جادلت: فكُن أمينًا على ما تنقله من قول ، نزيهًا في العزو والنُّقول. وإيَّاك وزيادات اللُّصوص ، وليِّ أعناق النُّصوص ، واجمع همَّك على نُصْرة الحق ؛ فإنَّ ذلك قائِدك إلى الصِّدق . فما أحسن من يستدلُّ بالدليل لقوله ، لامن يستدلُّ بقوله للدليل ! يقول ابنُ حمدان الحرَّاني - يرحمه الله -:"اعلم أن أعظمَ المحاذير في التَّأليف النَّقلي: إهمالُ نقل الألفاظ بأعيانها ، والاكتفاءُ بنقل المعاني مع قصور التأمَّل عن استيعاب مراد المتكلِّم الأول بلفظه" (1) .
قلت: هذا الحال مع من ينقل الألفاظ بالمعاني ، فكيف الحال مع من يُحرِّف الألفاظ ويكذب على الحُفَّاظ ؟! .
…وإذا جادلت: فكن بالمسألة المُختلَف فيها عالمًا ، ولما تحويه من معانٍ فاهمًا؛ وذلك: بأن تعرف ما قيل فيها ، ودليل كل قولٍ عليها ، حتى إذا تكلَّمت كنت على علم ، وإذا خولفت بهتَّ كلَّ خصم . وللإمام ابن كثير - يرحمه الله - كلام نفيسٌ في آداب المجادلة ، قال - يرحمه الله - بعد كلامٍ له:"فهذا أحسن ما يكون في حكاية الخلاف: أن تستوعب الأقوال في ذلك المقام، وأن تُنبِّه على الصَّحيح منها ، وتُبطل الباطل ، وتذكر فائِدة الخلاف وثمرته ؛ لئلاَّ يطول النزاع والخلاف فيما لا فائِدة تحته ، فيُشتغل به عن الأهم" (2) .
…وإذا جادلت: فأظهر روح المودَّة والأخوة قبل وأثناء وبعد الجدل ؛ إذ الكُلُّ ينشد الحقَّ ويخشى الزَّلل .
واخْتِلافُ الرَّأْيِ لاَ * يُفْسِدُ للوُدِّ قضيَّة
(1) انظر: ( صفة الفتوى والمفتي والمستفتي ) ، [105] .
(2) انظر: ( مقدمة التفسير ) ، [1/10] .