…وفي هذا المعنى يقول العلاَّمة ابنُ سعدي - يرحمه الله -:"من الغلط الفاحش الخطر: قبولُ قول الناس بعضهم ببعض ، ثم يبني عليه السَّامعُ حُبًّا وبُغْضًا ، ومدحًا وذمًّا ؛ فكم حصل بهذا الغلط أمور صار عاقبتها الندامة ، وكم أشاع الناس عن الناس أمورًا لا حقائق لها بالكلية ، أو لها بعض الحقيقة فنُميت بالكذب والزُّور ، وخصوصًا من عُرفوا بعدم المبالاة بالنَّقل ، أو عُرف منهم الهوى ، فالواجب على العاقل التثبُّت والتحرُّز وعدم التسرُّع ، وبهذا يُعرف دين العبد ورزانته وعقله" (1) .
المقدمة الثالثة: مالا عنه بُدّ في مِثْل هذا الردّ .
…لمَّا كان الاختلاف واقعًا ولابُد ، كان من سُبل تقويظه المُناقشةُ والرد ؛ إذ به تبين الحقائق لكل سائل ، وتُدْفع شُبه كل مجادِل . ولولاه لما اصطلح مُتخالفان ، ولبقي الحقُّ عليه شيءٌ من ران ؛ فمن طرق جادَّته وامتطى دابَّته ، لا يخلو من ثلاث أحوال:
…الحالة الأولى: إمَّا أن يكون على حقٍّ ؛ فلا يزداد بالجدل إلاَّ ثباتًا على حقِّه ، واتِّباعًا له لظهور صدقه .
…والحالة الثانية: أن يكون على خطأٍ؛ فبالمجادلة يتيقَّن خطأَه، وينتقل عن غلطه .
…والحالة الثالثة: أن يكون على ارتياب؛ فلا يقدم من الدين على الشَّك.
…وإلى مجموع هذه الأحوال يُشير المُزني - يرحمه الله - بقوله:"لا تعدو المُناظرة إحدى ثلاث: إمَّا تثبيت لما في يديه ، أو انتقال من خطأٍ كان عليه ، أو ارتيابٍ فلا يقدم من الدِّين على شك" (2) .
…إذًا: فالمُجادل غانمٌ في كلِّ حال ، رابحٌ على أيِّ وجهٍ انتهى إليه الجدال ؛ فلا يضيره إن جادل أن يَصْرع أو يُصْرع ، بقدر حرصه على أن يعرف الحقَّ ويتَّبع ؛ فهو ضالَّته المنشودة ، سواءٌ وجدها عنده أو عند من دونه .
(1) انظر: ( الرياض الناظرة والحدائق النيرة الزاهرة ) ، [272] .
(2) انظر: ( جامع بيان العلم وفضله . لابن عبدالبر ) ، [2/108] .