…ومن ثَمَّ كانت عاقبة التسرُّع فيها مذمومة ، وآفةُ ذلك معلومة ؛ فما دُفع خير واستُجلب شر بشيءٍ أعظم من هذا الأمر . فهذا قيس بن الربيع يقول:"قدم علينا قتادة بن دعامة الكوفة ، فأردنا أن نأتيه فقيل لنا: إنَّه يُبْغض عليًّا - رضي الله عنه - فلم نأته ، ثم قيل لنا بعد: إنَّه أبعد الناس من هذا ، فأخذنا عن رجلٍ عنه" (1) ؛ فانظر - هداك الله - كيف حُرِم هذا - أعني: قيس بن الرَّبيع - عُلوَّ الإسناد لقالةٍ سمعها واقتنع بها ؛ ولو أنه تثبَّت وتروَّى لحصَّل ما يُحِبُّ ويتمنَّى .
…ومنها: تجنُّب الكذب أو ما يُقارب الكذب ؛ إذ هو صفةٌ ذميمة ، تظهر فيها الخيانة وتسقط بها المروءة . والكذب يقلب الأمور ، ويُغيِّر الواقع ، ويُزوِّر الحقائِق ؛ فتصير العيوبُ محاسنَ والمحاسنُ عيوبًا ، ويجعل الحسن قبيحًا والقبيحُ حسنًا ، وينسب للناس خلاف ما قالوه أو فعلوه ؛ فعن ابن أبي مُليكة: أن عائشة - رضي الله عنها - قالت: (( ما كان خُلُقٌ أبغضَ إلى رسول الله من الكذب ، ولقد كان الرجل يكذب عند رسول الله × الكذبة ، فما يزالُ في نفسه عليه حتَّى يعلم أنَّه قد أحدث منها توبة ) ) (2) .
…ومنها: الإعراض عن الشَّائِعات ، وعدمُ الاعتماد عليها في أحكامٍ أو تصوُّرات ؛ إذ هي تفسد أكثر من أن تُصلح ، وتُضل أكثر من أن تدل ؛ فلا يُعوِّل عليها إلا ناقص عقلٍ ودين ، ولا يسعى في جمْعها إلاَّ واحدٌ من المعتدين .
(1) انظر: ( سير أعلام النبلاء ) ، [5/272] .
(2) أخرجه: الإمام أحمد في: ( مسنده ) ، [2/152] ، والترمذي في: ( جامعه ) ، [4/384] ، وقال: هذا حديثٌ حسن .