فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 109

هذا حال الرجل مع المرأة في أمور النفقة ، ولكن المنفق عند الناس في كل ما من شأنه التسابق في الإنفاق فإنه يكون هو المقدم والمعظم والذي تشرأب إليه الأعناق بالإكبار والإجلال ، وليس هذا بالأمر الهين ، فقديما قال المتنبي:

لولا المشقة ساد الناس كلهم * * * الجود يفقر والإقدام قتّال (1)

فلا يقدم على الجود والإنفاق إلاّ كرماء الرجال ، فالأب كان يعيش بهذه النفسية العظيمة التي تجعله متربعًا على عرش الكرم ، ينفق على البيت وأهله وغيرهم كيف يشاء .

واليوم .. قد وصل إلى حالٍ .. يرى نفسه فيها عاجزًا عن القيام بأي أمرٍ دون أن يساعده أحد .. فهو يأمل من أبنائه أن يتفطَّن أحدُهم لهذا الأمر فتأتي المبادرة منه قبل أن يسمعها من الوالد ؛ ليحفظ الأب مكانته وماءَ وجهه ، فإذا غفل الأبناء عن هذا فإن أعراضَ الاكتئاب ، والهمَّ ، والغمَّ ،وطول التفكير وإشغال البال ، ستعتري قلب هذا الأب ، ولربما كان حييًّا ، ذا وقار ، وأدبٍ .. فيستحيي من أبنائه أن يعرض عليهم الأمر .. فيعيش منزويًا ، معزولًا ، مهمشًا في منزلٍ كان هو سيده في يوم من الأيام ، وقد يريد أحد الأبناء البِرَّ به ، فيخطيء التصرف ، ويسيء العرض ، فقد يقول لأبيه:

يا والدي ! لماذا تشغل نفسك بمن طرق الباب ؟ ومن جاء ومن ذهب ؟! لو كنتُ أنا مكانك لما اشتغلتُ بهذه الأمور .. ولعمدتُ إلى العبادة ؛ فأشتغل بها وأدعُ ما سواها .. وقد يقول له ما هو أقسى من هذا .. كأن يقول:_ لو كنتُ أنا مكانك وتقدم بي السنُّ .. لقمتُ إلى سجادة الصلاة فأفرشها على الأرض وأدقّ عليها مسمارًا ، أربط به حبلًا ثم أربطه في رجلي ، فأعبد الله تعالى وأتفرغ للعبادة .. وأريح بالي ! ..

(1) - ديوان المتنبي 490 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت