« لا ينسب للساكت قول »
هذه عبارة الشافعي رضي اللّه عنه . ولهذا لو سكت عن وطء أمته لا يسقط المهر قطعًا ، أو عن قطع عضو منه أو إتلاف شيء من ماله مع القدرة على الدفع لم يسقط ضمانه بلا خلاف بخلاف ما لو أذن في ذلك ، ولو سكتت الثيب عند الاستئذان في النكاح لم يقم مقام الإذن قطعًا ولو علم البائع بوطء المشتري الجارية في مدة الخيار لا يكون إجازة في الأصح ؛ ولو حمل من مجلس الخيار ولم يمنع من الكلام لم يبطل خياره في الأصح . وخرج عن القاعدة صور كثيرة:
منها: البكر سكوتها في النكاح إذن للأب فالجد قطعًا ، فسائر العصبة فالسلطان في الأصح للخبر الصحيح: « إذنها صماتها » ، ومنها سكوت المدعى عليه عن الجواب بعد عرض اليمين عليه ، يجعله كالمنكر الناكل ، وترد اليمين على المدعي فيحلف ويستحق ما ادعاه ومنها: لو نقض بعض أهل الذمة ، ولم ينكر الباقون بقول ولا فعل فعل بل سكتوا ، انتقض فيه أيضا . ومنها لو رأى السيد عبده يتلف ما لغيره وسكت عنه ضمنه ومنها إذا سكت المحرم على حلق الحلاق لرأسه مثلًا مع القدرة على منعه لزمه الفدية في الأصح ؛ لأن الشعر في يده بمنزلة الوديعة فيلزمه دفع مهلكاتها . ومنها: لو باع العبد البالغ وهو ساكت ، صح البيع ولا يشترط أن يعترف بأن البائع سيده في الأصح .
ومنها: القراءة على الشيخ وهو ساكت ، ينزل منزلة نطقه في الأصح قال إمام الحرمين: « بشرط أن لو عرض من القارئ تصحيف أو تحريف لرده » . انتهى . ومنها: مسائل أخر ذكرها القاضي جلال الدين البلقيني أكثرها على ضعيف وبعضها اقترن به فعل قام مقام النطق وبعضها فيه نظر ، وألف فيها بعض العلماء مؤلفًا خاصًا ، وممن عنى بجمع شيء في هذه المسألة الجعبري في منظومته التي منها قوله:
قاعدة سكوت ذي التكليف ……ليس رضا في شرعنا الشريف
فيما سوى مسائل فمنها……صمت رسول اللّه عن أن ينهى
عما جرى يا ذا النهى بحضرته……والمجتمعين بعده من أمته