مسلما وُلد من أبوين مسلمين ودرس في الأزهر وحفظ القرآن، ثم صادر كل ذلك ليعود إلى الأمة من باريس بعيون زرقاء.
عاد بلسان عربي، وفكر أوروبي، فبدأ بنشر ثقافة تحاول تغيير مسار الأمة العربية عن تاريخها الإسلامي وعمقها العربي إلى امتداد غربي أوروبي ليبرالي. هكذا بدم بارد، وفكر ملوث لأن حضرة الأديب أُعجب بفرنسا، وهام حبًا بالحضارة الغربية، فوا أسفا على العقول العربية التي يتلاعب بها أمثال هؤلاء الممسوخين.
"إن طه حسين حينما أصدر كتابه (مستقبل الثقافة في مصر) كان يطالب بتحويل حلم الخديوي إسماعيل - بجعل مصر قطعة من فرنسا ـ إلى حقيقة"11
إذًا كان شعاره واضحًا في جعل مصر تعبر البحر المتوسط إلى أوروبا، وأن يتخلى العرب عن الإسلام ويتوجهوا نحو العلمانية.
"إلا أنها تبقى ظاهرة لافتة للنظر أن يؤكد المفكران المسيحيان عفلق وزريق ارتباط الإسلام بالعروبة - ماضيًا وحاضرًا وبالنسبة لعفلق مستقبلًا - بينما اتجه المفكران المسلمان قبلهما، طه حسين وساطع حصري، إلى التقليل من دور الإسلام في رؤيتهما للحقيقة القومية إلى حد المناداة بالعلمانية الصريحة"12
ثم توالت الروافد التغريبية، والأفكار التقدمية ـ كما يزعمون ـ من ليبرالية واشتراكية وغيرها، التي كانت تهدف إلى سلخ الأمة من دينها وعروبتها.
"وقد وصل الأمر إلى استخدام"الدراما"أداة خبيثة لتحقيق هذه الأهداف فقد ساهم نجيب الريحاني الصليبي في الاستهانة باللغة العربية من خلال فلمه (غزل البنات) وبمدرس اللغة العربية الذي صوره يائسًا بائسًا تبعث كل مواقفه على السخرية ولا يثير الاحترام عند أحد"13
"وفي التاريخ مارسَ جورجي زيدان اللبناني المسيحي تزييف الحقائق والتاريخ من خلال القصص والروايات التي كانت محط أنظار القراء في وقته، وكان الناس يترقبون رواياته بشغف"14
وفي عالم الأدب ساهم الحداثيون في أدبهم (اللامعقول) في زيادة الهم والغم فنقلوا إلينا أدب الألغاز والغموض في تبعية فجة ما زادت الأمة العربية إلا جدلًا وخلافًا.
وما زال المد التغريبي يتجدد في كل زمان بأشكال وصور متعددة فمن رفاعة الطهطاوي و قاسم أمين إلى طه حسين إلى ساطع حصري إلى أفراخ الليبراليين، حتى هذه اللحظة، لكنهم لم يقدموا للأمة شيئًا ولم يضعوا لبنة في بناء حضارة متماسكة.
كل الذين جاءوا من الغرب وأُعجبوا بنظامه وأفكاره لم يأتوا بمشروع حضاري لنهضة الأمة، وإنما أتوا بأفكار الغرب وأخلاقه (باسم الحرية والديمقراطية) يا ليتهم جاءوا باختراعات وصناعات، إنهم وللأسف لم يستطيعوا أن يصنعوا ولا حتى إبرة، ربما نستفيد منها في نسج غطاء لهم يستر سوأة أفكارهم، وفضيحة انتماءاتهم. إن