ولذلك فالحلول السريعة المنافية للصبر هي التي تُقوض كل مشروع حضاري وتهدم كل بناء يشيد تحت شعارات براقة.
أما الرحمة فهي منبع كل خير ونجاح، وما زال الشارع الحكيم يحث على التحلي بهذه الصفة لأنبيائه ومن بعدهم في غير ما موضع في الكتاب العزيز، فقال سبحانه (( فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظًا غليظ القلب لانفضوا من حولك ) )41، وذكر سبحانه أن الرحمة بين المؤمنين من أميز صفات أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فقال"محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم"42
إن من يملك هذه الصفة المباركة مؤهل باقتدار على أن يبني ولا يهدم، ويتنازل ولا يُنازع، ويتسامح ولا ينتقم. إنه يفعل كل ذلك إنكارًا لذاته و إتباعًا لأمر الله عز وجل، ورحمة بأمة محمد صلى الله عليه وسلم. إننا بدون هذه الصفة (الرحمة) لن نصل إلى مجتمع متماسك كالبنيان المرصوص.
إن وجود صفة الرحمة لا يعني الرضوخ للباطل، و السكوت عن الحق، و التنازل عن المبادئ و القيم، ولا أظن أن هناك تعارض إلا عند من ضاقت عليه نفسه ثم لم ينعم بروح شريعتنا السمحة.
الخطوة الخامسة: تفكيك الانتماءات الحزبية
لا أدري كيف ننادي بتوحيد أمتنا العربية والإسلامية، ونحن في واقعنا العربي نكرس الفُرقة والاختلاف من خلال انتماءات حزبية أيًا كان هدفها وتفكيرها.
إن الانتماءات الحزبية في البلاد العربية أصبحت من الوضوح بمكان بحيث يستحيل القفز عليها بسهولة، و يصبح الأمر أكثر خطورة وتعقيدًا وأشد فُرقة وتمزيقًا حين تتعدى الولاءات حدود الزمان والمكان لتقضي بعد ذلك على كل معنى للمواطنة التي قد يتشدق بها أحد الحزبين في أجهزة الإعلام؛ و المفارقة العجيبة أن تجد المنتمي حزبيًا يتحذلق عن الوطن والمواطنة و الوحدة، بينما كل أعماله تسير في الاتجاه المعاكس؛ فهو يؤمن بالحزب الأوحد و أن إيديولوجية حزبه هي خلاصة الفكر البشري مقصيًًا بذلك كل مخالف و مناقضٍ لمقومات الوطنية؛ التي تعني التعايش و المشاركة في صنع الحضارة.
و لنعلم أن ألفباء الوحدة تبدأ بتفكيك الانتماءات الحزبية و غيرها ومن ثم الانخراط في المجتمع المدني الكبير، والتأثير من خلال مؤسسات ظاهرة الأثر والتأثير و بعيدة عن دهاليز الغموض؛ بأهداف سامية ورؤية واضحة تضمن وحدة البلاد وهداية العباد، وتؤسس لبناءٍ حضاري متين.
و نحن لسنا بحاجة إلى أجندة غامضة لتكون هي أولى أولوياتنا، نستصحبها معنا في كل مشروع نهضوي لصالح بلدنا وأمتنا.
لا يمكن لأصحاب الأجندة السرية أن يساهموا بفاعلية في نهضة الأمة بل هم أحد العوائق الكبيرة على طريق وحدة الأمة و نهضتها حتى وإن بحت أصواتهم، وانتفخت أوداجهم وهم ينادون بالتغيير أو حتى بالتجديد. فكيف لمن تفرقوا أحزابا و شيعا أن يوحدوا الأمة؟!