فإزالة المنكر ظاهريًا ربما لا تؤثر في المجتمع تأثيرًا كبيرًا إن لم تكن مقرونةً بتغيير القناعات. بل قد يعود المنكر مرة أخرى وبشكل أقوى وأوسع؛ و لعل إزالة الأفكار و القناعات المغلوطة من عقلية الفرد و المجتمع أنفع من إزالتها حسيًا مع بقاء ارتباطها الوجداني بأهلها وذلك يضع الكرة في ملعبهم؛ فأفراد مجتمعاتنا هم الذين يتخذون القرار في النهاية بقناعة مطلقة و طاعة لله.
و من المفارقات العجيبة أن تجد ردة فعل بعض المثقفين مليئة بالشتيمة و التشنيع على الإصدارات الهابطة قيميًا في المؤلفات الأدبية و الثقافية، أو في مجال الدراما دون محاولة الإقناع. و تأتي المفاجأة! عندما يعاد طبع تلك الإصدارات مرارًا. و كذلك الفلم الساقط يعاد عرضه تكرارا أمام أعداد كبيرة من الجماهير، ثم لا شيء يتغير، و كما قيل في المثل العامي (( كأنك يا بو زيد ما غزيت ) )
علينا نشر ثقافة الحوار والنقد بالحجة والبرهان مع الصبر وسعة الصدر فهو منهج قرآني نبوي كريم، وأظن أنه في زمن العولمة، وثقافة الفضائيات حري بنا أن نجعل الحوار بالحجة والبرهان من أهم أولوياتنا؛ حماية للشريعة، وإنقاذًا للبشرية من سموم الأفكار الهدامة؛ التي تُكرس التخلف والانحلال في مجتمعاتنا العربية والإسلامية من بابي الشبهات والشهوات.
و بما أنّا في باب النقد، فإن الأمة أحوج ما تكون إلى"النقد الذاتي"و المراجعة، وهذا باب كبير إذا فُتح فسيصعب علينا إغلاقه بيسر و سهولة، و نكتفي بهذه الإشارة.
الخطوة الثالثة: قبول الرأي الآخر وعدم الإقصاء:
فالخلاف لا يفسد للود قضية، مع التأكيد على الثبات على المبدأ والمكافحة لأجله، مع بقاء روح الدعوة والتأثير حتى لو طال الزمن، فلنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة.
الخطوة الرابعة: الصبر والرحمة نعم المطيتان
تأملت كثيرًا هاتين الصفتين فوجدت أنهما نعم المطيتان لدعاة الإصلاح والتآلف والتجديد؛ فبالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين، والله عز وجل امتدح الصابرين وأعد لهم أجرًا غير ممنون فقال سبحانه (( أنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ) )39
ولقد صبر محمد عليه الصلاة والسلام على قومه ولم يدعُ عليهم بالعذاب والهلاك مع وجود السبب والمبرر فقال:"بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله .."40 فكان ذلك. و نوح عليه السلام صبر على قومه تسعمئة و خمسين عامًا وفي النهاية ما آمن معه إلا قليل. وفي ظني - والله تعالى أعلم وأحكم - أن صفة الصبر بمعناها الشامل تؤهل المرء لأن يكون أكثر عقلانية وحكمة مما يجعل القرار أكثر نضجًا وبالتالي أكثر نفعًا.