مطابقٌ للواقع، ظنًا منهم منافاتها لقواعد الشرع، ولعمر الله إنها لم تناف ما جاء به الرسول وإن نافت ما فهموه من شريعته باجتهادهم، والذي أوجب لهم ذلك نوعٌ قصيرٌ في معرفة الشريعة وتقصيرٌ في معرفة الواقع وتنزيل أحدهما على الآخر، فلما رأى ولاة الأمور ذلك وأن الناس لا يستقيم لهم أمرهم إلا بأمر وراء ما فهمه هؤلاء من الشريعة أحدثوا من أوضاع سياساتهم شرًا طويلًا وفسادًا عريضًا، فتفاقم الأمر وتعذر استدراكه وعز على العالمين بحقائق الشرع تخليص النفوس من ذلك واستنقاذها من تلك المهالك، وأفرطت طائفة أخرى قابلت هذه الطائفة فسوغت من ذلك ما ينافي حكم الله ورسوله، وكلتا الطائفتين أتيت من تقصيرها في معرفة ما بعث الله به رسوله وأنزل به كتابه، فإن الله سبحانه أرسل رسله وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط وهو العدل الذي قامت به الأرض والسموات فإذا ظهرت أمارات العدل وأسفر وجهه بأي طريق كان فثم شرع الله ودينه، والله سبحانه أعلم وأحكم وأعدل أن يخص طرق العدل وأماراته وأعلامه بشيءٍ ثم ينفي ما هو أظهر منها وأقوى دلالةً وأبين أمارةً فلا يجعله منها ولا يحكم عند وجودها وقيامها بموجبها، بل قد بين سبحانه بما شرعه من الطرق أن مقصوده إقامة العدل بين عباده وقيام الناس بالقسط فأي طريق استخرج بها العدل والقسط فهي من الدين وليست مخالفةً له، فلا يقال إن السياسة العادلة مخالفةً لما نطق به الشرع بل هي موافقةٌ لما جاء به، بل هي جزءٌ من أجزائه ونحن نسميها سياسةً تبعًا لمصطلحهم، وإنما هي عدل الله ورسوله ظهر بهذه الأمارات والعلامات. [33]
ويلحظ من كلام ابن القيم ذلك الفهم العميق الواسع لعموم السياسة الشرعية وشمولها لكل ما يمكن من خلاله تحقيق مصالح العباد دون تجاوزٍ للنصوص الشرعية، وتوسيع دائرة الاجتهاد لمواكبة المتغيرات حتى لا يتخذ من يريد تجاوز الشريعة الذرائع لتجاوزها بحجة أنها لا تواكب حاجة الناس، واتهام الشريعة بالجمود والنقص، فالشريعة قد فتحت هذا الباب واسعًا، وأعطت للحاكم مساحةً واسعةً جدًا في الاجتهاد في كافة المجالات دون أن يكون مصادمًا للشرع ومخالفًا لأحكامه، ومن هذه المجالات موضوع التقنين.
ويعلق مصطفى الزرقا على قول ابن القيم:".... ذكر ذلك ابن القيم خلال بحثه عن السياسة الشرعية وما تقتضيه من إنشاء الأحكام للناس بحسب دواعي الحاجة والمصلحة وما يكون من تلك الأحكام السياسية المحدثة نافعًا موافقًا لروح الشريعة أو مضرًا مخالفًا، وقد أتى رحمه الله في هذه المناسبة بكلامٍ نفيسٍ جدًا عن مبدأ وأسباب استحداث ما سماه"القوانين السياسية"أي الأحكام المسنونة بأوامر ولاة الأمر بناءً على دواعي السياسة الشرعية، وبين كيف أن طائفةً من المدعين لأنفسهم علم الشريعة ضيقوا نطاقها جهلًا منهم وسدوا على أنفسهم طرقًا صحيحةً من الطرق الشرعية لإقامة العدل وتنظيم مصالح العباد وحقوقهم وجعلوا الشريعة كأنها قاصرةٌ لا تقوم بمصالح العباد حتى رأى ولاة الأمور أن الناس لا يستقيم أمرهم إلا بشيءٍ زائدٍ على ما فهمه هؤلاء من فهمٍ ضيقٍ في الشريعة المتسعة فأحدثوا لهم قوانين سياسيةً لتنظيم مصالح العالم، وكان من هذه القوانين الصالح وكان منها الفاسد فتولد من تقصير اولئك في الشريعة وإحداث هؤلاء ما أحدثوه من أوضاع سياستهم شرٌ طويلٌ وفسادٌ عريضٌ ، وقد دل تعبير ابن القيم بلفظ القوانين السياسية على أن اطلاق القوانين على معنى الأنظمة التشريعية الزمنية كان مستعملًا في اصطلاح الفقهاء قبل ابن القيم. [34] "
ومما يدل على ارتباط التقنين بمفهوم السياسة الشرعية عند العلماء المعاصرين تعريف الدكتور محمد فتحي الدريني للسياسة بأنه"تعهد الأمر بما يصلحه"، وهذا تعريف مجمل إلا أنه فصله بقوله:"أنها أحكامٌ ونظمٌ وقوانين تعالج بها"