الصفحة 10 من 33

شؤون المسلمين من الناحية الدستورية والمالية والمدنية والأمنية وجميع مناحي الحياة الداخلية والخارجية" [35] ،حيث جعل السياسة الشرعية أحكام ونظم وقوانين، ويؤكد هذا الفهم أيضا عند العلماء المعاصرين تعريف عبد الوهاب خلاف لعلم السياسة الشرعية بأنها:"علم يبحث فيه عما تدبر به شئون الدولة الإسلامية من القوانين والنظم التي تتفق وأصول الإسلام وإن لم يقم على كل تدبير دليل خاص"، حيث جعل السياسة الشرعية أحكام ونظم وقوانين كذلك كما أنه جعل موضوع هذا العلم"النظم والقوانين التي تتطلبها شئون الدولة من حيث مطابقتها لأصول الدين وتحقيقها مصالح الناس"كما جعل -رحمه الله-غاية هذا العلم:"الوصول إلى تدبير شئون الدولة بنظم من دينها، والإبانة عن كفاية الإسلام بالسياسة العادلة وتقبله رعاية مصالح الناس في مختلف العصور والبلدان" [36] ، وكلامه لا يخرج بالنتيجة عن كلام من سبقه من العلماء رحمهم الله."

والالتزام بهذه القوانين والنظم التي وضعها الحاكم ملزمةٌ يجب طاعته فيها كما يجب طاعته في غيرها ما لم يأمر بمعصية، يقول الزحيلي:"وحينئذ تصبح القوانين والتكاليف التي تصدر عن الحاكم واجبة التنفيذ كالإلزام بالتجنيد الإجباري وفرض الضرائب على الأغنياء بالإضافة للزكاة كلما دعت حاجة البلاد إلى ذلك، ومصدر الالتزام بالطاعة أيات وأحاديث منها قول الله تعالى:"يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم"وأولو الأمر: الحكام والعلماء كما بينه المفسرون والصحابة، ومنها قوله عليه السلام عليك بالسمع والطاعة ..." [37]

يقول عبد العزيز الخطيب:"ولا شك أن التقيد بنظام المرور داخل في وجوب الطاعة لأنه لم يوضع إلا لمصلحة الفرد والمجتمع وحفاظًا على أرواح الناس وأموالهم فهو لازم التنفيذ من الرعية، ومصدر هذا اللزوم النصوص الشرعية ومنها الآية والحديث المذكوران وبالتالي تكون المخالفة لهذه الأنظمة معصيةٌ تستحق العقوبة المنظمة حسب نوع المخالفة وطبيعتها وخطورتها ويرجع تقدير ذلك إلى الحاكم. [38] "

السياسة الشرعية والمصلحة: يقصد بالمصلحة المحافظة على مقصود الشارع، ومقصود الشارع من الخلق خمسةٌ: وهو أن يحفظ عليهم دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم، فكل ما حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحةٌ، وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدةٌ، ودفعها مصلحةٌ، أو بعبارة أخرى هي المحافظة على مقصود الشرع بدفع المفاسد عن الخلق. [39]

ولا تخفى تلك العلاقة المتلازمة بين السياسة الشرعية وبين المصلحة، التي هي مقصد الشارع، فالمصلحة هي الغرض من السياسة فبما أن الشريعة جاءت لتحقيق مصالح الناس فالسياسة الشرعية كذلك تتضمن المحافظة على تلك المصالح ورعايتها، وهذه المصالح منها ما هو منصوصٌ عليه، ومنها ما ليس منصوصًا عليه، وقد فتحت السياسة الشرعية الباب أمام الحاكم ليجتهد فيما شاء من إجراءاتٍ وقراراتٍ تضمن تحقيق تلك المصالح ما لم تصادم نصًا شرعيًا بشكلٍ قطعيٍ، حتى ولو لم يرد في هذه القرارات والإجراءات نصٌ شرعيٌ، وقد توسع ابن القيم رحمه الله في كتابه"الطرق الحكمية"في ذكر الكثير من الأمثلة من حياة النبي وخلفائه من بعده تدل على العمل بالسياسة الشرعية لتحِقيق المصلحة عند عدم وجود النص.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت