الصفحة 11 من 33

فالإمام ملزمٌ بحكم ولايته العامة بالعمل على جلب المنافع ودفع المفاسد، بناء على القاعدة الفقهية"التصرف على الرعية منوط بالمصلحة"والمقصود بالمصلحة الأصلح، والمعنى"إن إنفاذ تصرف الراعي على الرعية ولزومه عليهم شاءوا أم أبوا معلق على وجود الثمرة والمنفعة في ضمن تصرفه دينية كانت أم دنيوية" [40] كما أنه ملزم بدفع الضرر عن الناس، ومن القواعد المتعلقة بذلك قاعدة"الضرر يزال"وقاعدة"لا ضرر ولا ضرار"وقاعدة"الضرر يدفع بقدر الإمكان"، [41] وعليه مراعاة حاجاتهم، وضرورات حياتهم، وهناك الكثير من النصوص والقواعد التي تضبط أفعاله في ذلك كقواعد"رعاية الضرورات"مثل: قاعدة"الضرورات تبيح المحظورات"وقاعدة"ما أبيح للضرورة يقدر بقدرها"وقاعدة"الحاجة تنزل منزلة الضرورة"وقاعدة:"ارتكاب أخف الضررين"، ومما ينبغي أن يشار إليه أن التقنين ينبغي أن ينظر إليه من خلال هذه القواعد.

المصالح التي يحققها التقنين: تقدم الحديث عن تلك العلاقة المتلازمة بين السياسة الشرعية وبين المصلحة التي هي مقصد الشارع حيث أن المصلحة هي الغرض من السياسة، وتقدم الحديث كذلك عن علاقة التقنين بالسياسة الشرعية، وأن التقنين يدخل في جميع مجالات السياسة الشرعية ويجرى عليه ما يجري على السياسة الشرعية من أحكام، فهما كالشيء الواحد في هذه الأحكام، ومن هاتين المقدمتين يتضح لنا أن المصلحة هي الغرض الأساسي من التقنين، فالمقصد الأساسي من التقنين تحقيق مصالح الناس ودرء المفاسد عنهم، ومنها:

1 -تحقيق العدل: العدل من أهم الأسس والمرتكزات لنظام الحكم في الإسلام بشكلٍ عامٍ وللنظام القضائي بشكلٍ خاصٍ، وهذا المقصد هو أهم ما يرتكز عليه دعاة التقنين، وهو المساواة في الأحكام المتماثلة في المسائل الاجتهادية، وضبط الأحكام القضائية بدقةٍ أكبر، وهذا العدل هو من أهم حكم ارسال الرسل وإنزال الكتب، قال تعالى:"لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ" (25:الحديد) ، وقال تعالى:"إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْل وَالإحسَانِ" (90:النحل) ، فالعدل أمرٌ فرض الله سبحانه على المسلمين السعي لإقامته في الأرض، وليكون من أبرز خصائصهم بين الأمم؛ لأن دينهم دين العدل. حتى قال عمر رضي الله عنه بأنه"لا رخصةَ فِيه في قريب ولا بعيد ولا في شدة ولا رخاء، وقال ابن تيمية بوجوبه على كل أحد وفي كل شيء. [42] "

ويقرر ابن تيمية في كتابه السياسة الشرعية علاقة السياسة بالعدل مستدلًا بقوله تعالى:"إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكمو بالعدل" (58:النساء) ، فيقول:"وإذا كانت الآية قد أوجبت أداء الأمانات إلى أهلها، والحكم بالعدل: فهذان جماع السياسة العادلة، والولاية الصالحة. [43] "

وللتقنين دور كبير في تحقيق العدل في مختلف المسائل سواءً ما تعلق منها بإجراءات التقاضي، أو العقوبات التعزيرية، أو غيرها من الأحكام التي لم ينص عليها في النصوص الشرعية وبقي المجال فيها للاجتهاد، حيث يتم جمع الأحكام في مدونةٍ واحدةٍ تسهل عملية التعرف على الحكم الذي تسير عليه الدولة والمجتمع، كما ويسهل على ولاة الأمر مراقبة أعمال القضاة وتمييز الأحكام الصحيحة من الباطلة كما يساعد على تحقيق المساواة والعدل بين الناس للحكم بينهم بحكمٍ واحدٍ في القضايا المتشابهة، ويسير جميع الناس على حسب منهجٍ واحدٍ وإجراءاتٍ واحدةٍ، ويؤكد هذا الأمر الحرص على الدقة والنظام وتحديد الأحكام والإجراءات مسبقًا بالنسبة للقضاة والخصوم [44]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت