ومقاصد القضاء: من إقامة العدل، وتحقيق مصالح العباد، ومنع التظالم، وفصل الخصومات ورد المظلمات، وإقامة الحدود، وردع الظالم ونصرة المظلوم، قد يحول دونها كثرة اختلاف القضاة اليوم في القضايا المماثلة، مع ضعف القريحة وقصر النظر وتسلط الهوى على ضعاف النفوس من القضاة مما أوجد الريبة في الأحكام والشك في القضاة، ومن هذا المنطلق يكون التقنين كفيلًا إلى حد ما بتحقيق العدالة على جميع الناس دون تمييز بين كبير وصغير، غني وفقير، ومسلم وذمي وهو أدعى كذلك لتحقيق المساواة بين الناس، وطمأنة نفوسهم تجاه القضاة. [45]
2 -ما أستجد في هذا الوقت من توسع المحاكم وتعدد اختصاصاتها وكثرة قضاياها وتشعبها نظرًا لتعقد نواحي الحياة، الأمر الذي تطلب تكثير القضاة وزيادة عددهم، وعدم وجود عدد كاف من المجتهدين نظرًا لضعف الملكة العلمية بشكلٍ عامٍ عند طلاب العلم في الكليات الشرعية التي تخرج القضاة بالإضافة إلى انفتاح المجتمعات الاسلامية على بعضها البعض وعلى المجتمعات العالمية، وهذا الانفتاح نتجت عنه علاقاتٌ متعددةٌ لا بد من ضبطها بأحكامٍ واضحةٍ محددةٍ، وأن غيرنا سيطالبنا بها، إذا أردنا أن نقاضيه إلى شرعنا، فلا يمكن أن نحيله إلى مجموعةٍ من كتب الفقه المذهبي أو المقارن، فإن لم يوجد شيءٌ مقننٌ ومرتبٌ، فإما أن تفوت علينا مصالح لا نستغني عنها، وإما أن نتحاكم إلى قوانين ليس لها علاقة بالشريعة الإسلامية، فلا بد من وجود مرجعٍ محددٍ يأخذون منه، يعرفون منه ما لهم وما عليهم، وهذا المرجع غير متوفرٍ، فيكون المرجع اجتهاد القاضي وهذا يؤدي لمشكلاتٍ كثيرةٍ. [46]
4 -كثرة الخلاف في الفقهيات لا بين المذاهب فقط بل حتى داخل المذهب نفسه، فيكون هناك مجالٌ للحكم في قضيةٍ واحدةٍ على أحد القولين أو الأقوال والحكم بقضيةٍ أخرى على القول الثاني أو أحد الأقوال؛ ومعنى هذا أن الحكم قد يكون بالتشهي، وفي الالزام بأحكامٍ معينةٍ دفعٌ لذلك، وقد يكون قضيتان متماثلتان هذه عند قاضي بلدٍ والثانية عند قاضي بلدٍ آخر، فيختلفان في الحكم فيها فينتج عن هذا التباين تظلمٌ ووقيعةٌ في عرض القضاء والقاضي، وأنه يقع تجاذبٌ بين حاكم القضية ومدقق الحكم لا من حيث واقع القضية ولكن من حيث تطبيق الحكم الشرعي على واقعها ففي هذا من الأضرار كما في سابقه. [47]
4.حاجة المستجدات إلى حكمٍ شرعيٍ يتم بالنص عليها في التقنين، وتركها لاجتهاد القضاة ليس من الحكمة لكثرة مشاغلهم، وعدم تفرغهم للبحث والاستقصاء في كل مستجد، وخصوصًا مع تطور الحياة، وكثرة المستجد فيها، ومن الأمثلة على ذلك: المعاملات المصرفية ومسائل المقاولات، والمناقصات، وشروط الجزاء، ومشاكل الاستيراد والتصدير والتأمين بمختلف جوانبه ونحو ذلك، مما لا قدرة لغالب القضاة على معرفة الحكم الذي يحكمون به في الخلاف حولها، مما كان سببًا في إيجاد محاكم أخرى، لها جهةٌ إداريةٌ مستقلةٌ عن الجهة الإدارية للمحاكم الشرعية، و مما كان سببًا في اشتمال هذه المحاكم على قضاةٍ قانونيين يشتركون مع القضاة الشرعيين، وذلك كمحاكم فض المنازعات التجارية. [48]
5 -توحيد الكلمة وتحقيق الوحدة، إذ عدم التقنين يفسح المجال لاجتهاد كل قاضٍ بما يراه مما ينتج عنه اختلاف القضاة في المسألة الواحدة كما هو مشاهد ومعلوم، وهذا قد يؤدي إلى التنازع والاختلاف. ومهما قيل بأن التقنين لا يرفع الخلاف- كما يراه المانعون من التقنين- فإنه ولا شك يحد من الاختلاف، ويقرب بين وجهات النظر. [49]