يؤكد ذلك وقوع أحكام اجتهادية قضائية في قضايا مماثلة مع انعدام أحكامٍ مقننةٍ يفسح المجال لاجتهادات قد تكون مختلفةً في مسألةٍ واحدةٍ [50] ، ومن أمثلة ذلك: صدور حكمين متناقضين بين محكمة دبي الشرعية وعجمان الشرعية في مسألة الطلاق في حال طهرٍ جامعها فيه: وتتلخص في أن الزوج تقدم لمحكمة عجمان الشرعية بطلب إثبات وقوع طلاقٍ حصل منه على زوجته، وهي في حال طهرٍ جامعها فيه من عدمه، فتمت الكتابة لسماحة مفتي عام المملكة العربية السعودية، فوردت فتواه بعدم الوقوع لكونه طلاقًا منكرًا لاغيًا، وأثناء انتظار فتوى سماحته رفعت الزوجة قضيةً بذات الموضوع لدى محكمة دبي الشرعية، وأثبت القاضي الطلاق على هذه الحال، وأمضاه على الزوجين، إلا أن القاضي بمحكمة عجمان الشرعية توقف عن نظر القضية في هذا الطلاق لكون قاضي محكمة دبي قد أصدر فيها حكمًا. [51]
ومن أمثلته ما حصل من اختلاف وجهات النظر لدى محكمتي التمييز في الرياض ومكة المكرمة، فقد سبق أن قامت محكمة التمييز بالرياض بنقض حكمٍ بالقسامة صادرٍ من محكمة الرياض، لأنه كان مبنيًا على قولٍ مرجوحٍ في المذهب الحنبلي، بينما كانت محكمة التمييز في مكة المكرمة تشير إلى المحكمة الكبرى بمكة في قضية قتلٍ بأن تحكم فيها بالقسامة بالقول المرجوح الذي قامت محكمة التمييز في الرياض بنقض الحكم المبني عليه. [52]
ومن أمثلة التقنينات التي وضعت لتحقيق تلك المصالح على سبيل المثال وضع نظام للمرور، حيث يقول الدكتور عبد العزيز عمر:"مما استجد في هذا العصر وزاد حتى صار ضرورة الوقت وسائل النقل - السيارات- إلا أن هذه الوسيلة - وهي نعمة كبرى - قد يساء استخدامها من قبل البعض، فكان لوازم ضرورياتها أن يوضع نظام يضبط استخدامها ويحمل المسؤولية كلها لمستخدمها إذ هي آلةٌ في يده يتصرف بها كيف يشاء فانحصرت المسؤولية فيه أي في السائق وقد أصبح وضع هذا النظام ضرورةً تقوم عليها حياة الناس بحيث تختل أمور حياتهم وتضطرب باختلاله والذي يضع هذه النظم هو الحاكم ومن ينوب منابه رعاية لمصالح الأمة وتدبيرًا لشؤونها، وذلك من خصوصياته وواجبات الأمة عليه، وأساس ذلك مراعاة المصلحة لهم جلبًا للمنفعة ودفعًا للمضرة والمفسدة". [53]
محاذير التقنين التي تمس مكانة النص الشرعي: تقدم أن موضع الخلاف في موضوع التقنين ليس في تدوين الفقه على شكل مواد قانونية وإنما الخلاف في موضوع الإلزام بهذه المواد القانونية، وهذا الإلزام يرد عليه الكثير من المحاذير، وسأقتصر على ما يتعلق منها بموضوع البحث - وهو أثر التقنين على مكانة النص الشرعي:
أولها: مفسدة تعطيل الشريعة (الإخلال بمبدأ الحاكمية) وإحلال النظم الوضعية محلها وترك النصوص الشرعية واستبدالها بالنصوص القانونية:
يرى مانعو التقنين أن مسألة تقنين الشريعة لا تعدو عن كونهًا فخًا يراد منه عدم مفاجئة حملة الشريعة ودعاتها بالنظم الوضعية قبل سابق تمهيدٍ، حيث يمهدون الطريق أمامها بالدعوة إلى قانون تستمد أحكامه من الشريعة الإسلامية [54] ، ومقتضى هذا القول أن أعداء الشريعة يريدون طمس معالمها وتنكب طريقها، ولكنهم لا يستطيعون أن يجاهروا بذلك لعظم وقعه على الأمة، لأن الاحتكام لنصوص الشريعة عندها ليس موضع مهادنةٍ ونقاشٍ فيقولون لهم: نحن لا نريد ترك الشريعة، وإنما نريد إقرار أحكامٍ مستمدةٍ من الشريعة سهلة التطبيق تراعي العدالة بين المكلفين هذه العدالة التي هي