الصفحة 14 من 33

مقصد القضاء، فإذا استساغ المسلمون ذلك دخلوا عليهم بالقوانين الوضعية وتركوا كتاب ربهم وسنة نبيهم كما حصل في كثير من بلاد المسلمين، وإذا تنكب المسلمون طريق كتاب ربهم وسنة نبيهم ضلوا، ومصداق ذلك قول النبي عليه السلام:"تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله" [55] ، وقوله عليه السلام:"تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما: كتاب الله و سنتي" [56] ، ولما كان التقنين يفتح للمجال لابتعاد الأمة شيئا فشيئا عن كتاب ربها وسنة نبيها وطريقًا لهجر الكتاب والسنة وترك العمل به، كان لا بد من منعه من باب سد الذرائع.

رأي الباحث في هذه المفسدة: مع أن الباحث ليس في موضع مناظرةٍ يدافع فيها عن رأيٍ معينٍ مقابل رأيٍ آخر، ذلك أن كلا الرأيين له اعتباره ووجاهته، حيث يؤيد كل رأيٍ طائفةٌ من العلماء لا يمكن بحالٍ تجاهل رأيها فيه، وجميعهم من أهل الفضل، ويقتدى بهم ولا يشك في حبهم لدينهم وغيرتهم عليه، وكلٌ منهم مأجورٌ على اجتهاده إن شاء الله، ثم إن موضوع التقنين قضيةٌ خلافيةٌ بين جهابذة العماء، وموقف العالم في أي قضية خلافية"رأيي صواب عندي يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ عندي يحتمل الصواب"، فلا يثرب أحدٌ على أحدٍ، ولا ينكر أحدٌ على أحدٍ، ولا يشكك أحدٌ على أحدٍ في حبه لدينه وغيرته عليه، وسيبدأ الباحث في عرض هذا الموضوع بما هو متفق عليه في هذا الموضوع وهو مبدأ الحاكمية - الذي هو عقيدة عند المسلم- ثم يتطرق لموضع الخلاف فيه.

مبدأ الحاكمية لله والتقنين: إن مسألة تحكيم الشريعة من المسائل المتفق عليها بين المسلمين، ومبدأ الحاكمية لله من أهم المبادئ التي تميز الدولة الإسلامية عن غيرها، والحاكمية لله بأيسر معانيها: الحكم بما أنزل الله، وهو فريضةٌ شرعيةٌ أمر الله تعالى بها المسلمين حكامًا ومحكومين، وقد دل على ذلك كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأجمع عليها علماء الأمة [57] ، ويقتضي هذا المبدأ بالضرورة الإيمان بالتشريع المنزل من عند الله باعتباره منهجًا واجب التطبيق في كافة شئون الحياة، كما يتضمن القيام بذلك عمليًا بالاحتكام لمنهج الله في كل صغيرةٍ وكبيرةٍ. [58]

ومبدأ الحاكمية يعني أن الله تعالى مصدر جميع الأحكام الشرعية، سواءً أجاءت بنصٍ أم اجتهادٍ، فالحاكمية في جوهرها بيانٌ لمصدر الدين، وهو الله تعالى، والذي تتجسد إرادته الدينية في الشريعة الإسلامية، فالحاكمية مبدأٌ، والشريعة مضمونٌ لهذا المبدأ ومحتوىً له، وهذه الشريعة ومصدرها الله هي الحاكمة على الإطلاق والعموم على جميع المكلفين بما فيهم الرسل والعلماء والأمراء والناس أجمعين، فالله تعالى وضع هذه الشريعة حجةً على خلقه كبيرهم وصغيرهم مطيعهم وعاصيهم. [59]

وكلا الفريقين متفقان على أن تحكيم شرعِ الله كتابًا وسنّةً من أهم وسائل الإصلاحِ وطريق تحقيق العدل، فأحكام الكتاب والسنة هي الأحكامُ العادلة لأنها أحكامٌ صادِرة من ربِّنا جل وعلا، وسواها أحكامٌ ظالمة جائِرة، مهما أراد واضعوها أن يوجِدوا للخليقةِ أحكامًا تعدِل بينهم يصلُح بها الخلقُ فلن يستطيعوا، فبالاحتكام لنصوص الشريعة يمكن تحقيق مصالح الناس الحقيقية، ويتحقق البعد عن المصالح الموهومة المزعومة: فالمصالح الحقيقية للإنسان هي المصالح التي جاء بها الشارع الحكيم، لأنها من لدن لطيف خبير قال تعالى:"ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير" (14: الملك) ، والتشريعات البشرية التي أحلت الخمر والزنا والشذوذ والمجون وغيرها فأي مصلحة للبشرية فيها، فشرع الله كله خير، وقد قال النبي عليه السلام:"ما بَعَث الله من نبيّ إلاَّ كان حقًّا عليه أن يدلَّ أمّتَه على خيرِ ما يعلمه لهم، وينهاهُم عن"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت