الصفحة 15 من 33

شرِّ ما يعلمه لهم" [60] ، وقال عليه السلام: تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي" [61] وقال تعالى"وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ" (179:البقرة) .

وكلا الفريقين على علمٍ وإيمانٍ بارتباط مبدأ الحاكمية بمبدأ العبودية لله سبحانه وتعالى، وأن طريق تحقيق تلك العبودية الإسلام تشريعًا ومقصدًا، وهذه العبودية هي المقصد الذي لأجله خلق الإنسان، فقد خلق الله تعالى الإنسان لعبادته، حيث يقول الله تعالى:"وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون" (56:الذاريات) ، والعبادة بمفهومها الشامل اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال، ومما يدل على ارتباط مبدأ الحاكمية بالعبودية ما ورد عن عدي بن حاتم رضي الله عنه حينما جاء للنبي عليه السلام يسأل عن قول الله تعالى:"اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله"- ولم يكن أسلم حينئذ - فقال رضي الله عنه: إنهم لم يعبدوهم! فقال له النبي عليه السلام:"إنهم أحلوا لهم الحرام، وحرموا عليهم الحلال فأطاعوهم، فتلك عبادتهم إياهم"، ولهذا فالحاكمية شاملة شمول الإسلام لأنها تحقق مبدأ العبودية لله، وهي لا تتجزأ فهي شاملة لكل تصرف يقوم به الإنسان، ومن هذا المنطلق نجد أن هناك من عرف الحاكمية بأنها: تصور عقدي عن الله والكون والحياة والإنسان ينبثق عنه شريعة وأخلاق يتأسس عليها جميعا نظمٌ [62] ، وهذا التعريف للحاكمية ينظر للإسلام بشموله باعتباره عقيدةً وشريعةً ونظام حياةٍ، تسعى لتحقيق مصالح الناس الدنيوية والأخروية، ومن هنا تأتي علاقة الحاكمية بالسياسة الشرعية، فمقصودهما تحقيق مصالح الناس من خلال تعبيد الناس لله سبحانه وتعالى، فالحكم بالمعنى السياسي الشرعي الذي يدور حول الأفعال التي يكون الناس معها أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد يراد تحقيقها بحضور الإسلام عقيدةً وشريعةً وأخلاقًا في واقع الحياة، وهنا تأتي أهمية دور السلطات المختلفة تشريعيةً كانت أم تنفيذيةً أم قضائيةً في قيام كل سلطة بدورها المنوط بها ضمن هذا المبدأ. [63]

وكلا الفريقين متفقان على أن الشريعة الإسلامية منهج حياةٍ متكاملٍ صالحٍ لكل زمان ومكان: فالله تعالى حينما أمرنا بأن نحتكم له وضع لنا شريعةً محكمةً - وهي الإسلام -، صالحةً لكل زمانٍ ومكانٍ، بدليل قول الله تعالى:"الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ" (3:المائدة) ، وقد نص الكتاب والسنة على كثير من الأحكام التفصيلية لتنظيمها كالأحكام المتعلقة بالأسرة والحدود، كما وضعت الشريعة القواعد العامة لاستنباط الأحكام فيما لم يرد فيه نصٌ صريحٌ، وقال الله تعالى:"قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى" (123 - 124: طه) ، والآية على عمومها في كل زمان وفي كل شأن، وقال صلى الله عليه وسلم في وصيته الجامعة في حجة الوداع:"تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدًا: كتاب الله و سنة نبيه صلى الله عليه و سلم" [64] ، والاعتصام به لا يقتصر على جانب دون جانب بل بكل ما أمر به وكل ما نهى عنه.

فمحل الاتفاق بين مانعي التقنين ومجيزيه، هو أن مرجعية الأحكام هو النص الشرعي الذي أنزله الله سبحانه في كتابه أو على لسان رسوله صلي الله عليه وسلم، وموضوع الخلاف في استنباط الأحكام من الكتاب والسنة وتدوينها على شكل مواد قانونية والإلزام بها ممن له سلطة الإلزام وهو الإمام أو من ينيبه، والسؤال المهم: هل يمكن أن تجري عملية التقنين دون مصادمة مبدأ الحاكمية؟ بمعنى هل يمكن تقنين الأحكام الشرعية المستنبطة من القرآن والسنة مع بقاء أحكام هذه النصوص نافذةً وقائمةً وموجودةً؟ وهذا ما سيجيب عليه دعاة تقنين الأحكام الشرعية فيما يأتي، وسيمهد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت