الصفحة 16 من 33

الباحث لذلك ببيان طبيعة الأحكام التي يمكن تقنينها بحسب الأدلة التي دلت عليها، الأمر الذي قد يضيق من دائرة الخلاف بين الفريقين.

طبيعة النصوص الشرعية والتقنين: معلومٌ أن نصوص الشريعة منها ما هو قطعيٌ في دلالته، وهذه النصوص لا تحتمل إلا وجهًا واحدًا، فلا يجوز تقنين حكمٍ مخالفٍ لنصٍ قطعيٍ، ويجوز تدوين الحكم الذي نص عليه الدليل القطعي كمادةٍ قانونيةٍ والإلزام بها، وتكون الحجية والقداسة لا لهذا النص القانوني وإنما للنص الشرعي الذي يعتبر الأصل في وضع هذا التقنين، وفي الوقت نفسه يبقى المجال مفتوحًا لوضع مواد قانونيةٍ تتعلق بكيفية تطبيق هذا النص الشرعي القطعي، وهذا يدخل في باب السياسة الشرعية، وللإمام فيها مجال واسع، فله أن يضع ما يشاء من التدابير والإجراءات والتشريعات التي تضمن تحقيق مقاصد الشريعة التي دلت عليها النصوص القطعية، وتحقيق مصالح الناس بما يتفق مع تلك المقاصد، وينظر باحترامٍ وتقديرٍ لهذا التقنين باعتباره أحكامًا شرعيةً مستنبطةً من النص الشرعي، أو إجراءاتٍ وتدابير تضمن تطبيق النص الشرعي بما يحقق مقاصد الشارع، وفي هذه الحالة يكون الإلزام من الدولة بحكمٍ مجمعٍ عليه، فهذه القضية محل اتفاقٍ في موضوع التقنين، فلو وضع قانونٌ للعقوبات تضمن مادةً قانونيةً تنص على قطع يد السارق، ووضع في هذا القانون أيضًا ما يتعلق ببعض القضايا الإجرائية المتعلقة بهذا الحكم فهذا لا يدخل في دائرة الخلاف.

وعند وجود نصٍ شرعيٍ ظنيٍ، وهو ما يحتمل أكثر من معنىً فيمكن استنباط حكمٍ شرعيٍ ظنيٍ من هذا النص الشرعي، ويمكن صياغة ما دل عليه في مادةٍ قانونيةٍ على أن يكون هذا التقنين موافقًا لوجهٍ من الوجوه التي يحتملها معنى النص الشرعي بوجهٍ من وجوه الدلالات المعتبره في علم الأصول، ويجوز في هذه الحالة الإلزام بها من قبل الدولة بناء على قاعدة"أمر الإمام يرفع الخلاف"، وقاعدة تصرف الإمام منوط بالمصلحة"، كما يجوز أيضًا وضع تقنين ما يحتاجه تطبيق هذا النص الشرعي من إجراءاتٍ وتدابير، وهذا يدخل في باب السياسة الشرعية، وتكون الحجية والقداسة في هذه الحالة للنص الشرعي، كما ينظر باحترام للتقنين باعتباره أحكامًا شرعيةً مستنبطةً من النص الشرعي، أو إجراءاتٍ وتدابير تساعد على تطبيق النص الشرعي بما يحقق مصالح الناس وبما يتفق مع مقاصد الشارع التي دل عليها النص الظني بوجه من وجوه الدلالات التي يحتملها النص المقررة في علم الأصول، وهذا موضع خلاف عند من لا يجيز الإلزام بحكم معين من الأحكام التي يدل عليها النص الشرعي ما دام يحتمل وجها آخر، وسيأتي مزيد نقاش لهذا القول إن شاء الله."

وعند عدم وجود نصٍ شرعيٍ في موضوع ما، فللدولة أن تضع ما شاءت من تشريعاتٍ وتدابير وإجراءاتٍ تسعى من خلالها إلى تحقيق مصالح الناس وجلب المنافع لهم ودرء المفاسد عنهم، بما لا يخالف نصوص الشريعة ومقاصدها، وهذا أيضًا يدخل في باب السياسة الشرعية، وقد يكون مصدر التقنين في هذه الحالة مبادئ الشريعة العامة ومقاصدها والمصالح المرسلة والعرف وغيرها من مصادر التشريع، ولا يوجد ما يمنع من الاستفادة من أية تقنيناتٍ تتعلق بمختلف مجالات السياسة الشرعية الإسلامية بغض النظر عن مصدرها ما دامت لا تتعارض مع السياسة العامة للتشريع الإسلامي، ومن أمثلة ذلك وضع نظام -قانون- للمرور، أو للعقوبات التعزيرية، أو ما يتعلق بكثير من المسائل المتعلقة بالإجراءات

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت