المتبعة في الدعوى كالأحكام المتعلقة بالتبليغ أو ما يتعلق بالمدد الزمنية المضروبة في كثير من القضايا التي تنظرها المحاكم، فهذه المسألة أيضا ليست محل خلاف.
يقول الزرقا:"إن قوانين المراسم ضرورةٌ لا بد منها لأنها لا تستند إلى مبادئ الحقوق وقواعد العدل الثابتة وإنما هي تدابير تتصل بسياسة التشريع وتنظيم تطبيقه أكثر مما تتصل بتلك المبادئ والقواعد، وهذا التنظيم حقٌ من حقوق أولياء الأمور العامة، ومن صلاحياتهم الزمنية، يحولون ويبدلون من مجاريه دائمًا على حسب ما يرون أنه أصلح وأضبط، فقد يوجبون اليوم طريقةً في توثيق العقود أو تقديم الدعاوى إلى الحكام أو تسجيل الأحكام أو تنفيذها ثم يرون غدًا ما هو أسهل وأحوط وأفضل فيعدلون إليه، وقد يعينون مدةً للتقادم (مرور الزمن) ثم يرون المصلحة في زيادتها أو نقصها دون أن تتبدل أو تتغير المبادئ والنظريات الحقوقية التي تحكم أصل الحق، ولذلك لم يأت التشريع الإسلامي في أصله بشيء من أحكام المراسم إلا ما اعتبر فيه مصلحةً ثابتةً دائمةً كلزوم الإشهاد في عقد النكاح وطريقة التلاعن بين الزوجين عندما يتهم الرجل امرأته بالزنى، وكالإرشاد العام إلى توثيق العقود بالكتابة أو الشهادة أو الرهن، وكأصول القضاء الأساسية من استماع الدعوى وسؤال الخصم وتكليف البينة أو اليمين" [65]
وجوب مراعاة مبدأ الحاكمية والسيادة في موضوع التقنين: لا بد من النظر للنصوص الشرعية في عملية التقنين على أنها واجبة التطبيق في كل حال، وعدم مخالفتها بأي حالٍ من الأحوال، لأننا متعبدون بتلاوتها وتدبرها واستنباط الأحكام منها، والعمل بمقتضاها في كافة شئون الحياة، كما يجب مراعاة مقاصد الشارع، أي تطبيق النصوص الشرعية بما يحقق تلك المقاصد وجعل عملية التقنين خاضعةً للنص لا أن يكون النص خاضعًا لها، فيجب أن يكون التقنين منضبطًا بنصوص الشريعة ومبادئها العامة ومقاصدها، وهذا ما يقتضية مبدأ الحاكمية والذي يعتبر الأساس الهام لنظام الحكم الإسلامي، فالسيادة للنص الشرعي لا للنص القانوني، والحاكمية لله لا لمن وضع هذه القوانين، كما يجب مراعاة القواعد الشرعية في التقنين والتطبيق في مختلف المجالات (التشريعات والنظم والحكم والقضاء والقرارات والإجراءات والعلاقات الداخلية والخارجية) كقاعدة الاستصحاب وما يتفرع عنها وقاعدة"الأمور بمقاصدها"وما يتفرع عنها وقاعدة"لا ضرر ولا ضرار"وما يتفرع عنها وقاعدة"درء المفاسد أولى من جلب المصالح"وما يتفرع عنها وغيرها من القواعد الشرعية. [66]
مبدأ الحاكمية والسيادة لا يلغي حق الإمام (أو واجبه) في التقنين: لا يلغي هذا المبدأ حق الإمام في وضع الأنظمة المستنبطة من الشريعة، جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية:"تقرير مبدأ سيادة الشريعة لا يعني حرمان الإمام ومن دونه أهل الحكم والسلطة من حق اتخاذ القرارات والأنظمة التي لا بد منها لسير أمور الدولة، ذلك لأن نصوص الشريعة محدودةٌ ومتناهيةٌ، وأما الحوادث وتطور الحياة والمسائل التي تواجه الأمة والدولة معًا، فغير محدودةٍ ولا متناهيةٍ، ولا بد للإمام وأهل الحكم من مواجهة كل ذلك بما يرونه من أَنظمةٍ، ولكن هذا الحق ليس مطلقًا وإنما هو مقيدٌ بما لا يخالف النصوص الشرعية، ولا يخرج على مبادئ الإسلام وقواعده العامة، وأن يكون ذلك لمصلحة الأمة الواجبة الرعاية، والتي لأجلها قامت الدولة، ولا يكون ذلك إِلا بعد الرجوع إِلى أَهل الخبرة والاختصاص من الفقهاء وغيرهم."