الصفحة 18 من 33

بل إن هناك من الباحثين من يرى أن التقنين طريق إقامة شرع الله وإحقاق الحق، بما ييسره التقنين من معرفة الأحكام الشرعية وسهولة الرجوع إليها، مع ضمانة الأحكام من التلاعب في زمن قل فيه الوازع الديني، وضعف التحصيل العلمي، مما يجعل لهوى النفس نصيب في استصدار الأحكام القضائية. [67]

وخلاصة الأمر في هذا الموضوع أن التقنين بالضوابط السابقة ليس خروجًا عن الشريعة، بل هو احتكام إليها، لأن جميع الأحكام مستمدةٌ منها، وفق مناهج الاستنباط المقررة في علم الأصول، قال الزحيلي"وأما ما يصح فيه الاجتهاد فهو الأحكام التي ورد بها نصٌ ظني الثبوت والدلالة أو ظني أحدهما والأحكام التي لم يرد فيها نص ولا إجماع، وعلى هذا فإن التشريعات الصادرة حديثًا التي لا تخالف الإسلام من قبل اللجان المشرعة لا تخالف قواعد الاجتهاد في الفقه الإسلامي. [68] "

الثانية: أن الاجتهاد في استنباط الحكم يكون من خلال النظر في النص الشرعي، والتقنين يجعل النص القانوني هو مجال الاجتهاد والنظر:

يرى مانعو التقنين أن تقنين الأحكام الشرعية في مواد معينةٍ والإلزام بها يجعلها مرجعًا للحكم، حيث يصبح القاضي ملزمًا بالحكم بها، كما أن حكمه معرض للنقض إن خالفها، أي أن التقنين يرفع درجة هذه الأحكام من أن تكون مجرد أحكامٍ اجتهاديةٍ قابلةٍ للنظر ممن وضعها ومن غيره من المجتهدين إلى درجة أن تصبح هذه الأحكام نصوصًا أي أدلةً ومرجعًا للأحكام، وهذا فيه إخلالٌ بعملية الاجتهاد المطلوبة من القاضي للوصول إلى الحكم، وهو الاجتهاد في طلب الحق من مظانه من الأدلة الشرعية [69] .

وخلاصة ما استدلوا به على هذا الأمر ما يأتي:

1 -النصوص التي أمرت القاضي بالحكم بالحق وهو ما أدى إليه اجتهاده، قال تعالى:"فاحكم بين الناس بالحق" (ص: 26) ، والحق لا يتعين في رأي أو مذهب، وقد يظهر له الحق في غير ذلك، وإذا ظهر له الحق وجب عليه العمل به [70] ، وحكمه بغيره باطلٌ، وقوله تعالى:"فاحكم بينهم بالقسط" (المائدة: 42) ، والقسط العدل، وهو الحكم بما يدين الله به من الحق لا ما تلزمه به من تقنين قد يرى الحق بخلافه [71] ، قال ابن تيمية:"وأجمع العلماء على تحريم الحكم والفتيا بالهوى وبقولٍ أو وجهٍ من غير نظر في الترجيح، ويجب العمل بموجب اعتقاده فيما له وعليه إجماعًا" [72] .

2 -ما رواه عمرو بن العاص - رضي الله عنه - أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، يقول:"إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر" [73] ، والاجتهاد الوارد في الحديث ما كان من خلال النظر في النصوص الشرعية لا في نصوص القانون.

3 -قول النبي صلى الله عليه وسلم قال:"القضاة ثلاثة، قاضيان في النار، وقاضٍ في الجنة، رجلٌ قضى بغير الحق، فعلم ذاك، فذاك في النار، وقاضٍ لا يعلم، فأهلك حقوق الناس، فهو في النار، وقاضٍ قضى بالحق فذلك في الجنة" [74] ، فالناجي من هؤلاء من يقضي بالحق وهو ما كان عن اجتهاد ونظر في النصوص الشرعية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت