الصفحة 19 من 33

4 -يؤكد ذلك حديث معاذ - رضي الله عنه - عندما بعثه النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى اليمن، قال: أرأيت إن عرض لك قضاء، كيف تقضي؟ قال: أقضي بكتاب الله. قال: فإن لم يكن في كتاب الله؟ قال: فبسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: فإن لم يكن في سنة رسول الله؟ قال: أجتهد رأيي، ولا آلو. قال: فضرب صدره، ثم قال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله. [75]

5 -أن الإلزام بها مخالف لما هو مقرر عند العلماء من أنه ليس لمن ولي أمرًا من أمور المسلمين منع الناس من التعامل بما يسوغ فيه الاجتهاد. [76]

مما سبق يتضح أن الله تعالى أمر القاضي بالحكم بالحق، فهو ملزم بالاجتهاد الشرعي [77] ، والاجتهاد القضائي يشترك مع مطلق الاجتهاد بأن فيه استفراغ للوسع والطاقة في تحصيل ظن بحكم شرعي عملي من دليله، إلا أن الاجتهاد القضائي اجتهاد مخصوصٌ من حيث أنه صادرٌ من هيئةٍ قضائيةٍ، كما أنه يكون في خصومةٍ قائمةٍ، وفي واقعةٍ متنازعٍ عليها، ويكون ما يتوصل له القاضي من حكمٍ ملزمًا لأطراف الخصومة. [78]

ومن نصوص العلماء في ذلك ما قاله الشافعي: وكل ما وصفت مع ما أنا ذاكرٌ وساكتٌ عنه اكتفاءً بما ذكرت منه عما لم أذكر من حكم الله ثم حكم رسوله صلى الله عليه وسلم ثم حكم المسلمين دليلٌ على أن لا يجوز لمن استأهل أن يكون حاكمًا أو مفتيًا أن يحكم ولا أن يفتى إلا من جهة خبرٍ لازمٍ، وذلك الكتاب ثم السنة أو ما قاله أهل العلم لا يختلفون فيه أو قياس على بعض هذا. [79]

يتبين مما سبق أن جمهور العلماء رأوا أن العلم المؤدي للاجتهاد من شروط تولية القاضي، واعتبروا تولية غير المجتهد باطلةٌ [80] ، إلا عند عدم وجود المجتهد، فيجوز حينئذ تولية المقلد، [81] وقد أجاز الحنفية لمن لم يكن عنده ملكة الاستنباط أن يكون قاضيًا، فلم يعتبروا العلم شرطًا من شروط تولية القاضي، وإنما اعتبروه شرط أولوية، لأن المقصود من القضاء هو إيصال الحق إلى مستحقه، وهذا كما يحصل باجتهاد القاضي، يحصل أيضًا باجتهاد غيره ممن يشاورهم القاضي. [82]

كما بينوا أهمية مشاورة القاضي لغيره من أهل العلم قبل إصدار الحكم [83] ، وقد نص الماوردي على أنه يشترط في المستشار ما يشترط في المفتي من العدالة والعلم، بأن يكون من أهل الاجتهاد في النوازل [84] ، وقد بين الماوردي الحكمة من المشاورة، فقال: وإنما أمر بها لأمرين: أحدهما: ليتوصل بها إلى معرفة ما لم يصل إليه من الأدلة، وربما خفيت عليه سنة علم بها المستشار، ولم يعلم بها المستشير. والثاني: ليستوضح بمناظرتهم طرق الاجتهاد، والتوصل إلى غوامض المعاني، فإن باجتماع الخواطر في المناظرة يكمل الاستيضاح والكشف، فلذلك كان مأمورًا بها. [85]

فالقاضي يستمع إلى آراء من يستشيرهم من أهل العلم في الأمور المشتبهة [86] ، ويبحث في أقوالهم، ويبحث المسألة من جميع جوانبها، ثم يجتهد في اختيار ما يراه من آراء، وقد يكون له رأيٌ مستقلٌ يخالف ما توصل له المستشارون، ويكون عندها ملزمًا بما أداه إليه اجتهاده. [87]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت