وقد نقل بعد ذلك قول الشافعي:"فأما أن يقلده - أي المستشار- فلم يجعل الله ذلك لأحدٍ بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -" [88] ، ورأي الشافعي أن القاضي لا يقلد المستشار، وإنما ينظر في رأيه، وهذا نوع من الاجتهاد.
يتضح من كل ما تقدم أن عملية الاجتهاد في الإسلام سواء أكانت في القضاء أم في غيرها لا تكون إلا من خلال النظر في الأدلة الشرعية لا في غيرها، وهذا يضيق الخناق على من يفتح باب التقنين على مصراعيه في كافة المجالات وفي جميع الأحوال، إذ أنها ليست الاجتهاد المطلوب والمقبول والموصل للحق عند الله، وهو يؤكد القول بوجوب اجتهاد القاضي في المسألة المعروضة أمامه ولا يجوز تقليد غيره، كما لا يجوز إلزامه برأي غيره حتى وإن كان مذهبًا فقهيًا من المذاهب الأربعة، فلا يجوز إلزام القاضي بالحكم بمذهبٍ معينٍ، أو قانونٍ معينٍ، واشتراطه على القاضي باطلٌ غير ملزمٍ، وهو قول جمهور العلماء من المالكية والشافعية والحنابلة. [89]
وخلاصة ما استدلوا به:
1 -عموم الأدلة التي أمرت بالحكم بالحق، وقد تقدمت.
2 -أن اشتراط الامام على القاضي أن يحكم بحكمٍ معينٍ شرطٌ ينافي مقتضى العقد، فيجعله باطلًا، فإن العقد يقتضي أن يحكم بالحق عنده وهذا الشرط قد حجره عليه واقتضى أن يحكم بمذهب إمامه وإن بان له الحق في سواه، وهذا مخالف لتلك الأدلة. [90]
رأي مجيزي التقنين في هذا الأمر:
قبل بيان رأي مجيزي التقنين فيما تقدم لا بد من الإشارة إلى أن ما قاله العلماء في مسألة الإلزام بحكم معين هي في حق القاضي المجتهد، وهذا القاضي قد لا يكون موجودًا، وإن وجد فلا يصل للعدد الكافي الذي يحتاجه الناس من القضاة، ولهذا نجد أن كثيرًا من القضاة مقلدون وهم بالتالي لا ينطبق عليهم الكلام المتقدم، [91] فإلزامهم بالتقنين جائزٌ على رأي من لا يجيز التقنين بحجة عدم جواز الإلزام، ولما كان أغلب القضاة على هذا النحو كان لزامًا على مانعي التقنين أن يقولوا بجوازه لأن حجتهم في الإلزام سقطت بعدم وجود القاضي المجتهد أو ندرته، لأن الأحكام تبنى على الغالب، فما دام أغلب القضاه مقلدون فمعنى ذلك جواز إلزامهم بحكم معين الأمر الذي يعني جواز التقنين.
قال الزرقا:"في صدر الإسلام كان القضاة مجتهدين بحكم الضرورة على خلاف الأصل إذ لم تكن قد تكونت وتبلورت آراء ومذاهب اجتهادية في فهم النصوص الشرعية في الكتاب والسنة ليمكن الاختيار من بينها للقضاء، فكان ذلك حالةً استثنائيةً (كتبدل اجتهاد محكمة التمييز اليوم) تقبل ولا تستمر بصورةٍ دائمةٍ حرصًا على مبدأ علنية النظام، وإذا كان القضاة في صدر الإسلام مجتهدين فقد كان ذلك حالةً لا بد منها، ولا محيص عنها قبل ان تستقر قواعد الفقه وأصوله ومذاهبه، إذ كان الصحابة ومن تلقى عنهم من التابعين وتابعيهم متفرقين في الأمصار، وعند كل منهم علمٌ من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفسيره للقرآن ما ليس عند الآخر كما قال مالك رضي الله عنه للرشيد، أما بعد ذلك وقد استقر الفقه على قواعده ومذاهبه، فلا يجوز أن يبقى القاضي حرًا يختار للحكم من كل قضيةٍ ما يراه هو حقًا وعدلًا، ولو كان هو من العلم والفقه في رتبة الاجتهاد، بل يجب تقييده بنصوصٍ معلنةٍ للملأ لا يخرج عنها، وينحصر اجتهاده"