الصفحة 21 من 33

عندئذٍ في فهم النص وتفسيره وفقًا لقواعد الفهم والتفسير في أصول الفقه كما سلفت الإشارة إليه حتى إن الرأي الاجتهادي للقاضي في فهم النص الموحد يجب أيضًا أن يكون معروفًا مسبقًا للمكلفين ما أمكن إلى ذلك من سبيل" [92] "

أما استدلال مانعي التقنين بالآيات والأحاديث التي توجب الحكم بالحق فيمكن الجواب عنها بما يأتي:

1 -إن الذي يقضي بأحكامٍ مقننةٍ مستمدةٍ من الشريعة الإسلامية ليس كمن تحاكم إلى القوانين الوضعية وترك أحكام الله سبحانه وتعالى، لأن دور القاضي تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية التي جاءت في كتاب الله وسنة رسوله من خلال تقنين الأحكام المستنبطة منها ونبذ كل ما يخالفها فجميع الأحكام المقننة تم استنباطها من أحكام الشريعة، وبالتالي هي اجتهادٌ ضمن دائرة النصوص الشرعية، وهي لا تخرج عن الحكم بالحق الذي دلت عليه الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة، قال الأستاذ مصطفى الزرقا:"وفي تقنين الفقه أو التقنين منه عندما تتعدد الآراء والأقوال الفقهية في المسألة الواحدة يختار منها للتقنين ما هو الأصلح بحسب قوة الدليل الشرعي ويسر التطبيق والقرب من مقاصد الشريعة وعدالتها وهذا الاختيار عملٌ اجتهاديٌ يتطلب فوق المعرفة الشرعية بصيرةً زمنيةً بأحوال الناس العملية وأنواع المشكلات التي يصادفونها والمخالفات التي يقعون فيها وغالبًا ما يعهد بهذا العمل الاجتهادي إلى مجموعةٍ من الخبراء الثقات، وقلما يترك لرأي شخصٍ واحدٍ فهو اجتهاد جماعةٍ وليس اجتهاد فردٍ". [93]

2 -ثم من الذي يحكم بأن ما تم وضعه في التقنين هو خلاف الحق وأن القول الثاني هو الحق. [94]

3 -حتى في حق القاضي المجتهد فإن من المقرر عند الفقهاء أن رأي الإمام يكون مرجحًا لقولٍ من الأقوال عند اختلاف العلماء، وقد قعد العلماء قاعدة:"أمر الإمام يرفع الخلاف"فإذا أمر الإمام أن يقتل المسلم بالكافر فليس لحاكم أن يخالف هذا الأمر، وعليه أن ينفذه ولو خالف رأيه، فإن ما أمر به الإمام واجب التنفيذ على الموافق والمخالف، وأن أمره يرفع الخلاف مطلقًا، أما حكم الحاكم أي قضاء القاضي، فيرفع الخلاف في القضية المعينة، ذلك بأن القضاة نواب للإمام ووكلاء له، فهم قضاة بإذنه، مقيدون بالتزام أوامره، فإذا رأى رأيًا مرجحًا عملوا به، والتقنين لا يخرج عن كونه أمرًا من أوامر الإمام لما أذن لمجموعة من العلماء أن يتخيروا من أقوال العلماء ما يتماشى وقواعد الشرع، ويناسب العصر، ويحقق للناس مصالحهم. [95]

ومن أدلة ذلك:

1 -عموم الأدلة التي أمرت بطاعة الإمام ومنها قوله تعالى:"يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم" (59: النساء) ، وقوله صلى الله عليه وسلم (السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب أو كره، ما لم يؤمر بمعصية، فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة) . [96]

2 -إن القاضي شرعًا نائبٌ عن الإمام أي وكيله، والوكيل يجب عليه أن يتقيد بما يقيده به الموكل لأن الإرادة الأصلية للمنوب عنه، وقد تقدم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت