3 -فعل السلف رضي الله عنهم: إن إلزام الإمام القاضي برأي من الآراء لا يلغي الآخر، فالرأي الآخر يبقى موجودًا لكن الإمام بمقتضى نظره في تحقيق المصلحة العامة قد يرى في مرحلة ما الإلزام برأي من الآراء، وقد يلزم بالرأي الأخر عندما تتغير المصلحة، وخاصةً أن كلا الرأيين صادران عن اجتهاد شرعي، ويساعد الإمام على تقدير تلك المصالح من يحيط به من علماء ومستشارين، والناظر في سيرة خير قادة الأمة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحقق من ذلك، فإنهم كانوا يلزمون بأحكامٍ مختلفٍ فيها، ومن أمثلة ذلك اجتهادات عمر رضي الله عنه في عدم توزيع أرض سواد العراق على الغانمين، وحجب سهم المؤلفة قلوبهم، ومنعه الزواج من الكتابيات، وإلزام المطلق ثلاثًا بلفظٍ واحدٍ بتلاث طلقات وتوزيع المال بالتفاضل حسب القِدم في الإسلام والحاجة وغيرها، فقد ألزم عمر رضي الله تعالى عنه بهذه الأحكام وهي مسائل اجتهادية، وقد خالف فيها من سبقه، فاتبعه في ذلك المسلمون، وحكم به القضاة والولاة، وهكذا سار جميع الخلفاء الراشدين على تبني الأحكام، وعلى إلزام الناس بترك اجتهادهم والالتزام بما تبناه الخليفة. [97]
فإن قال قائل إن هذه المسائل تتعلق بتصرفات الإمام، وهي خارج محل النزاع - فأمر الإمام يرفع الخلاف - فأقول أيضا التقنين - وفق الضوابط الشرعية - أمر خلافي يراه الإمام ويلزم به وأمره به يرفع الخلاف، فما يقال فيما سبق يقال أيضا في التقنين
4 -ما نقل من دعوى الإجماع على عدم إلزام الناس بقول واحد وحملهم عليه. يجاب عنه: بأن هذا الإجماع غير مسلّم به، لأنه قد وجد من العلماء من قال بخلافه فقد خالف الحنفية في هذه المسألة وقالوا بجواز الإلزام، كما خالف غيرهم من علماء المذاهب الأخرى، [98] قال ابن فرحون:"واختلفوا هل للمجتهد أن يترك النظر والاجتهاد ويقلد من نظر واجتهد أم لا على ثلاثة أقوال أحدها أن ذلك له والثاني أن ذلك ليس له والثالث أن ذلك ليس له إلا أن يخاف فوات الحادثة، وأما إذا لم يكن من أهل الاجتهاد ففرضه المشورة والتقليد" [99]
يقول الزرقا:"وأما الظن بأن القاضي يجب شرعا أن يترك لاجتهاده يقضي بحسبه وأنه لا يجوز تقييده بقول شرعي واحد يلزم بالقضاء به فهذا ليس له سند متين من الفقه وأن المصلحة توجب خلافه وتدعو الى التمسك بعلنية الأحكام كما أسلفنا، ونصوص الفقهاء صريحة بأن القضاء يتخصص بالزمان والمكان وبنوع القضايا وبالرأي المذهبي، فلو نصب قاض ليحكم بالمذهب الشافعي في أصح الأقوال فيه ليس له أن يقضي بسواه ولو خالف مذهبه هو ذلك لأن القضاء في الأصل شرعا من حق الإمام الخليفة بعد أن كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته، وأن للإمام أن ينيب عنه في القضاء إذا كثرت الأعباء العامة عليه، فالقاضي شرعا نائب عن الإمام أي وكيله، والوكيل يتقيد بما يقيده به الموكل لأن الإرادة الأصلية للمنوب عنه، فإذا رأى صاحب السلطة الشرعية في النظام اختيار رأي شرعي معتبر يلزم به الناس نظاما معلنا يطيعونه ويطبقونه، ويلزم نائبه القاضي أن يحكم به فهذا صحيح شرعا، ولزم للقاضي، وليس له تجاوزه والقضاء بسواه اجتهادا منه" [100]
ثم إن الكثيرين ممن منعوا التقنين من علماء المملكة العربية السعودية قد أجازوا إلزام القاضي بالحكم بحكم معين فقد جاء في قرار الهيئة القضائية السعودية اعتماد المذهب الحنبلي كمرجع ملزم للقاضي، والالزام هو العائق الأساسي في وجه التقنين، وهذا الإلزام موجود مما يعني أن فكرة التقنين كانت موضع التنفيذ في صورة الإلزام بالحكم بمذهب إمام