الصفحة 8 من 33

ومن أمثلة التعريفات التي قصرت السياسة الشرعية على ما نص فيه أنها:"تدبير شؤون الدولة الإسلامية التي لم يرد بحكمها نص صريح، أو التي من شأنها أن تتغير وتتبدل، بما فيه مصلحة الأمة، ويتفق مع أحكام الشريعة وأصولها" [28] ، ويلحظ أنه قصر المعنى على المجالات التي لم يرد بها النص، أو التي ورد بها نص لكنه يتغير بتغير المصلحة. وذكر أنه اصطلاح الفقهاء المتأخرين. فيخرج بذلك أحكام: القتل، والزنى، والسرقة، وشرب الخمر، ونحوها مما ورد به النص، فتكون من الفقه وليست من السياسة الشرعية [29] .

وهناك من يجعل السياسة الشرعية خاصة ببعض الإجراءات التي يقوم بها الإمام حسمًا لفسادٍ واقعٍ أو متوقعٍ، وهو بالتالي يجعل السياسة الشرعية تطبيقًا لمبدأ سد الذرائع، وهو أيضًا معنىً خاصٌ، ومنها تعريف السياسة بأنها: ما يراه الإمام أو يصدره من الأحكام والقرارات زجرًا عن فسادٍ واقعٍ أو وقايةً من فسادٍ متوقعٍ أو علاجًا لوضعٍ خاصٍ، ومن هذا القبيل عرفت السياسة بأنها: فعل شيءٍ من الحاكم لمصلحة يراها وإن لم يرد بذلك الفعل دليلٌ جزئيٌ [30] .

أما الشرعية فهي مؤنث شرعي، وهي السياسية المنسوبة للشرع، ولا تكون كذلك إلا إذا كانت نازلةً على أحكامه، مقيدةً بشروطه، محققةً لمقاصده، متخذةً من الشرع منطلقًا ومصدرًا لها. [31]

والخلاصة أن التقنين جزءٌ من السياسة الشرعية وهي مرتبطة بالنصوص الشرعية و بمقاصد الشريعة التي تهدف إلى تحقيق المصالح للأمة ودفع المضار عنها، حيث نتمكن من خلالها مسايرة التطورات الاجتماعية والوفاء بمطالب الحياة المتجددة، وذلك باستنباط الأحكام لما يجد من الحوادث والوقائع التي لا نجد لحكمها نصًا أو إجماعًا، وبتطبيق النصوص الشرعية أيضًا، على وجه يحقق مصلحة الأمة في جميع الأحوال والأزمان والأماكن، ويتفق والشريعة الإسلامية.

ولابن القيم نظرته الفريدة في علاج هذا الموضوع حيث تحدث عن السياسة الشرعية في معرض حديثه عن وسائل الإثبات التي يسعى القاضي من خلالها للوصول للعدل الذي هو مقصد الشارع حيث عرف السياسة الشرعية بأنها"الأمارات والعلامات التي يظهر بها عدل الله" [32] ، وقد بين أهمية موضوع الاجتهاد في وضع الأحكام التي تحتاجها الدول في كل زمان، حيث جعل العلماء بين أحد أمرين، التوسع في وضع الأحكام من النصوص مباشرةً أو على هدي تلك النصوص عند عدم وجود النص من أجل تسيير أمور الدولة بهدي الإسلام، أو الجمود عند ما هو منصوصٌ عليه، وهذا يعطي الذريعة لمن يريد إخراج الناس عن شرع الله سبحانه بأن كثيرًا من الأحكام التي تحتاجها الدولة ليست موجودة في النصوص مما يعطي ذريعةً لتجاوز الشريعة والاحتكام لغيرها حيث يقول:".... وقال ابن عقيل في الفنون جرى في جواز العمل في السلطنة بالسياسة الشرعية أنه هو الحزم، ولا يخلو من القول به إمامٌ، فقال الشافعي: لا سياسة إلا ما وافق الشرع، فقال ابن عقيل: السياسة ما كان فعلًا يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد، وإن لم يضعه الرسول صلى الله عليه و سلم ولا نزل به وحيٌ، فإن أردت بقولك"إلا ما وافق الشرع"أي: لم يخالف ما نطق به الشرع فصحيحٌ، وإن أردت لا سياسة إلا ما نطق به الشرع فغلطٌ وتغليطٌ للصحابة، فقد جرى من الخلفاء الراشدين"ثم قال: وهذا موضع مزلةِ أقدامٍ ومضلةِ أفهامٍ، وهو مقامٌ ضنِكٌ ومعترَكٌ صعبٌ، فرَّط فيه طائفةٌ، فعطلوا الحدود وضيعوا الحقوق وجرؤوا أهل الفجور على الفساد، وجعلوا الشريعة قاصرةً لا تقوم بمصالح العباد محتاجةً إلى غيرها، وسدوا على نفوسهم طرقًا صحيحةً من طرق معرفة الحق والتنفيذ له وعطلوها مع علمهم وعلم غيرهم قطعًا أنها حقٌ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت