ب - أن المصالح مختلفة باختلاف الآراء والأهواء والأزمنة والأمكنة ، بخلاف النصوص فهي لا تختلف باختلاف ذلك .
ج - أن هذا الاستدلال مبني على دعوى اختلاف النصوص ، سواء ما كان في العادات أو العبادات أو المعاملات ، فهذا يقضي أن تعطى النصوص كلها نتيجة واحدة من أجل هذا الاختلاف والتعارض ، لكننا نراه يفرق بين أحكام المعاملات - فيجعل المصالح أولى من النصوص - وبين العبادات فيجعل النصوص مقدمة على المصالح .
الدليل السادس: أن هناك نصوصا قدمت المصلحة على النصوص ، ومن ذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه بعد الأحزاب: « لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة » ، فصلى بعضهم قبلها ، فقررهم على ذلك إذ فيه تقديم المصلحة (مصلحة إدراك الوقت) على النص ، وحديث: « لولا أن قومك حديثوا عهد بشرك لهدمت الكعبة فألزقتها بالأرض ، وجعلت لها بابين بابا شرقيا وبابا غربيا ، وزدت فيها ستة أذرع من الحجر ، فإن قريشا اقتصرتها حيث بنت الكعبة » .
وهذا يدل على أن بناءها على قواعد إبراهيم هو الواجب ، فتركه لمصلحة الناس . وذكر في ذلك آثارا عن الصحابة .
وأجيب:
أ - أن المصلحة أن الإمام مطاع في كل أوامره ، وأن الشرع يقدم على أهواء الناس ، ولكنه ترك هذه المصلحة هنا للنصوص .
ب - أن هذه القضايا حصلت في أمور العبادة ، والطوفي لا يقول بتقديم المصالح على النصوص في أمور العبادات .
ج - أن المعارضة هنا ليست بين النصوص والمصالح ، بل بين النصوص والنصوص ، إذ من السنة إقرار النبي - صلى الله عليه وسلم - .
د - ما ذكر من الآثار ما هي إلا اختلاف في الأفهام ، واجتهادات الصحابة منها ما أقروا عليها ، ومنها ما لم يقروا عليها ، وقول الصحابي إذا خالف النص فلا عبرة به ، وهذه المعارضة التي سلكها الصحابة رضوان الله عليهم لم تكن
من قبيل النظر في المصلحة المجردة عن الدليل ، بل إنهم يستندون في ذلك إلى أدلة أخرى ، فهذا اجتهاد في النصوص .