إلا بتوفيقه ومعونته فعاد الأمر كله إليه كما ابتدأ الأمر كله منه فهو الأول والآخر وإن إلى ربك المنتهى
ومن وصل إلى هذا الحال وقع في يد التقطع والتجريد وأشرف على مقام التوحيد الخاصي فإن التوحيد نوعان عامي وخاصي كما أن الصلاة نوعان والذكر نوعان وسائر القرب كذلك خاصية وعامية فالخاصية ما بذل فيها العامل نصحه وقصده بحيث يوقعها على أحسن الوجوه وأكملها والعامية ما لم يكن كذلك فالمسلمون كلهم مشتركون في إتيانهم بشهادة أن لا إله إلا الله وتفاوتهم في معرفتهم بمضمون هذه الشهادة وقيامهم باطنا وظاهرا أمر لا يحصيه إلا الله عز و جل
وقد ظن كثير من الصوفية أن التوحيد الخاص أن يشهد العبد المحرك له ويغيب عن المتحرك وعن الحركة فيغيب بشهوده عن حركته ويشهد نفسه شبحا فانيا يجري على تصاريف المشيئة كمن غرق في البحر فأمواجه ترفعه طورا وتخفضه طورا فهو غائب بها عن ملاحظة حركته في نفسه بل قد اندرجت حركته ضمن حركة الموج وكأنه لا حركة له بالحقيقة وهذا وإن ظنه كثير من القوم غاية وظنه بعضهم لازما من لوازم التوحيد فالصواب أن من ورائه ما هو أجل منه وغاية هذا الفناء في توحيد الربوبية وهو أن لا يشهد ربا وخالقا ومدبرا إلا الله وهذا هو الحق ولكن توحيد الربوبية وحده لا يكفي في النجاة فضلا عن أن يكون شهوده والفناء فيه هو غاية الموحدين ونهاية مطلبهم فالغاية التي لا غاية وراءها ولا نهاية بعدها الفناء في توحيد الإلهية وهو أن يفنى بمحبة ربه عن محبة كل ما سواه وبتألهه عن تأله ما سواه وبالشوق إليه وإلى لقائه عن الشوق إلى ما سواه وبالذل له والفقر إليه من جهة كونه معبوده وإلهه ومحبوبه عن الذل إلى كل ما سواه وكذلك يفنى بخوفه ورجائه عن خوف ما سواه ورجائه فيرى أنه ليس في الوجود ما يصلح له ذلك إلا الله ثم يتصف بذلك حالا وينصبغ به قلبه صبغة ثم