أكمل حبا منهن له وأشد ولم يعرض لها ذلك مع أن حبها أقوى وأتم لأن حبها كان مع البقاء وحبهن كان مع الفناء فالنسوة غيبهن حسنه وحبه عن أنفسهن فبلغن من تقطيع أيديهن ما بلغن وامرأة العزيز لم يغبها حبه لها عن نفسها بل كانت حاضرة القلب متمكنة في حبها فحالها حال الأقوياء من المحبين وحال النسوة حال أصحاب الفناء ومما يدل على أن حال البقاء في الحب أكمل من حال الفناء أن الفناء إنما يعرض لضعف النفس عن وارد المحبة فتمتلىء به وتضعف عن حمله فيفنيها ويغيبها عن تمييزها وشهودها فيورثها الحيرة والسكوت وأما حال البقاء فيدل على ثبابت النفس وتمكنها وأنها حملت من الحب مالم يطق حمله صاحب الفناء فتصرفت في حبها ولم يتصرف فيها والكمال من إذا ورد عليه الحال تصرف هو فيه ولا يدع حاله يتصرف فيه وأيضا فإن البقاء متضمن لشهود كمال المحبوب ولشهود ذل عبوديته ومحبته ولشهود مراضيه وأوامره والتمييز بين ما يحبه ويكرهه والتمييز بين المحبوب إليه والأحب والعزم على إيثار الأحب إليه فكيف يكون الفاني عن شهود هذا التغييب الحب له أكمل وأقوى وأي عبودية للمحبوب في فناء المحب في محبته وهل العبودية كل العبودية إلا في البقاء والصحو وكمال التمييز وشهود عزة محبوبه وذله وهو في حبه واستكانته فيه اجتماع أرادته كلها في تنفيذ مراد محبوبه فهذا وأمثاله مما يدل على أن الدرجة الثانية التي أشار إليها أكمل من الثالثة وأتم هكذا في جميع أبواب الكتاب والله أعلم
وكأني بك تقول لا يقبل في هذا إلا كلام من قطع هذه المفاوز حالا وذوقا وأما الكلام فيها بلسان العمل المجرد فغير مقبول والمحبون أن أصحاب الحال والذوق في المحبة لهم شأن وراء الأدلة والحجج فاعلم أولا أن كل حال وذوق ووجد وشهود لا يشرق عليه نور العلم المؤيد بالدليل فهو من عبث النفس وحظوظها فلو قدر أن المتكلم إنما تكلم بلسان العلم المجرد فلا ريب أن ما كشفه العلم الصحيح المؤيد بالحجة