فهرس الكتاب

الصفحة 473 من 617

أكمل حبا منهن له وأشد ولم يعرض لها ذلك مع أن حبها أقوى وأتم لأن حبها كان مع البقاء وحبهن كان مع الفناء فالنسوة غيبهن حسنه وحبه عن أنفسهن فبلغن من تقطيع أيديهن ما بلغن وامرأة العزيز لم يغبها حبه لها عن نفسها بل كانت حاضرة القلب متمكنة في حبها فحالها حال الأقوياء من المحبين وحال النسوة حال أصحاب الفناء ومما يدل على أن حال البقاء في الحب أكمل من حال الفناء أن الفناء إنما يعرض لضعف النفس عن وارد المحبة فتمتلىء به وتضعف عن حمله فيفنيها ويغيبها عن تمييزها وشهودها فيورثها الحيرة والسكوت وأما حال البقاء فيدل على ثبابت النفس وتمكنها وأنها حملت من الحب مالم يطق حمله صاحب الفناء فتصرفت في حبها ولم يتصرف فيها والكمال من إذا ورد عليه الحال تصرف هو فيه ولا يدع حاله يتصرف فيه وأيضا فإن البقاء متضمن لشهود كمال المحبوب ولشهود ذل عبوديته ومحبته ولشهود مراضيه وأوامره والتمييز بين ما يحبه ويكرهه والتمييز بين المحبوب إليه والأحب والعزم على إيثار الأحب إليه فكيف يكون الفاني عن شهود هذا التغييب الحب له أكمل وأقوى وأي عبودية للمحبوب في فناء المحب في محبته وهل العبودية كل العبودية إلا في البقاء والصحو وكمال التمييز وشهود عزة محبوبه وذله وهو في حبه واستكانته فيه اجتماع أرادته كلها في تنفيذ مراد محبوبه فهذا وأمثاله مما يدل على أن الدرجة الثانية التي أشار إليها أكمل من الثالثة وأتم هكذا في جميع أبواب الكتاب والله أعلم

وكأني بك تقول لا يقبل في هذا إلا كلام من قطع هذه المفاوز حالا وذوقا وأما الكلام فيها بلسان العمل المجرد فغير مقبول والمحبون أن أصحاب الحال والذوق في المحبة لهم شأن وراء الأدلة والحجج فاعلم أولا أن كل حال وذوق ووجد وشهود لا يشرق عليه نور العلم المؤيد بالدليل فهو من عبث النفس وحظوظها فلو قدر أن المتكلم إنما تكلم بلسان العلم المجرد فلا ريب أن ما كشفه العلم الصحيح المؤيد بالحجة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت