فيقال ههنا مرتبتان من المحبة مختلف في أيتهما أكمل من الأخرى إحداهما هذه المرتبة التي أشار إليها المصنف وهي الدرجة الثالثة التي ذكرها شيخ الإسلام في منازله فقال والدرجة الثالثة محبة خاطفة تقطع العبارة وتدقق الإشارة ولا تنتهي بالنعوت وهذه المحبة قطب هذا الشأن وما دونها مجال تنادي عليها الألسن وادعتها الخليقة وأوجبتها القول والمرتبة الثانية عند صاحب المنازل ومن تبعه دون هذه المرتبة وهي المحبة التي تنشأ من مطالعة الصفات فقال في منازله والدرجة الثانية محبة تبعث على إيثار الحق على غيره ويلهج اللسان بذكره ويعلق القلب بشهوده وهي محبة تظهر من مطالعة الصفات والنظر في الآيات والارتياض بالمقامات وإنما جعل هؤلاء هذه المحبة أنقص من المحبة الثالثة بناء على أصولهم فإن الفناء هو غاية السالك التي لا غاية له وراءها فهذه المحبة لما أفنت المحب واستغرقت روحه بحيث غيبته عن شهوده وفني فيها المحب وانمحت رسومه بالكلية ولم يبق هناك إلا محبوبه وحده فكأنه هو المحب لنفسه بنفسه إذ فني من لم يكن وبقي من لم يزل ولما ضاق نطاق النطق بهم عن التعبير عنها عدلوا إلى التعبير عنها بكونها قاطعة للعبارة مدققة للإشارة يعني تدق عنها الإشارة ولأن الإشارة تتناول محبا ومحبوبا وفي هذه المحبة قد فني المحب فانقطع تعلق الإشارة به إذ الإشارة لا تتعلق بمعدوم وسر هذا المقام عندهم هو الفناء في الحب بحيث لا يشاهد له رسما ولا محبة ولا سببا ولهذا كانت الدرجتان اللتان قبله عنه معلولتين لأنهما مصحوبتان بالبقاء وشهود الأسباب بخلاف الثالثة ولهذا قال ولا تنتهي بالنعوت يعني أن النعت لا يصل إليها ولا يدركها وهذا بناء على قاعدته في كل باب من أبواب كتابه يجعل الدرجة العالية التي تتضمن الفناء أكمل مما قبلها والصواب أن الدرجة الثانية أكمل من هذه وأتم وهي درجة الكملة من المحبين ولهذا كان إمامهم وسيدهم وأعظمهم حبا في الذروة العليا من المحبة وهو