فهرس الكتاب

الصفحة 893 من 2794

ومِن الأسبابِ الشرعيَّةِ: التخلِّي عن الذُّنُوبِ؛ كما في قولِه تعالى: {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [آل عمران: 147] ، فسأَلُوا اللهَ الغُفْرانَ قبلَ سؤالِهِ الثباتَ والنصرَ؛ فإنَّ الذُّنُوبَ تُؤخِّرُ النصرَ وتَحِيقُ بأهلِها؛ كما قال نبيُّ اللهِ: {فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ}

[هود: 63] .

ومنها: الإكثارُ مِن الدعاءِ، وطلبُ النصرِ مِن اللهِ، والتوكُّلُ عليه؛ كقولِه تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} [آل عمران: 173 [

ومنها: إقامةُ العدلِ، ودفعُ الظُّلْمِ؛ فالظالِمُ لا يُنصَرُ، وإنْ غَلَبَ لا يتمكَّنُ؛ فاللهُ لا يُمكِّنُ للظالمِ وإنْ جعَلَ له الغَلَبَةَ؛ قال تعالى: {اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} [الأنعام: 135] ، وقد يتمكَّنُ الظالمُ على مَن هو أشَدُّ ظُلْمًا منه عندَ غيابِ العادلِ؛ فالله يُمكِّنُ للأَعْدَلِ والأخَفِّ ظُلْمًا.

وأمَّا الأسبابُ الكونيَّةُ: فهي ما أَوْجَدَهُ اللهُ في الكونِ مِن قوةٍ لازمةٍ لحدوثِ حادثٍ تابعٍ للأخذِ بها، وهي مختلِفةٌ؛ فلا حَدَّ لها ولا حَصْرَ، ولا يعلَمُ حدَّها، ونوعَها وعدَدَها، وقُوَّتَها وأثَرَها، ومُبتدَاها ومُنتهاها، إلاَّ مُوجِدُها، وهو اللهُ، وما خَفِيَ مِن الأسبابِ أعظَمُ مما ظهَرَ وأكثَرُ، والإنسانُ مأمورٌ بالأخذِ بما ظهَرَ له، وقد تتحقَّقُ النتائجُ غالبًا بالأسبابِ الظاهرةِ، وقد لا يُحقِّقُها اللهُ لحِكْمةٍ بأسبابٍ خفيَّةٍ أقوى مِن الظاهرةِ، وكلٌّ في الدُّنيا يَجري بسببٍ، ولكنَّ الناسَ يأخُذُونَ ما يرَوْنَ وقد يكونُ ضعيفَ الأثرِ بالنسبةِ لِمَا خَفِيَ عنهم.

وفي هذه الآيةِ: إشارةٌ إلى الأخذِ بالسببِ الكونيِّ، ولو كان ثمَّةَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت