فهرس الكتاب

الصفحة 73 من 990

والمخالطين كمن يطلب من عالم أو أمير أو صالح أن يأتي إليه لزيارته إيهاما لرفعته وتبرك الأكابر به وكمن يذكر أنه لقي شيوخا كثيرين افتخارا بهم وترفعا بذلك على غيره

فهذه مجامع أبواب الرياء الحامل إيثارها على طلب نحو الجاه والمنزلة واشتهار الصيت حتى تنطلق الألسن بالثناء عليه ويجلب الحطام من سائر الآفاق إليه

ومنها حيث أطلق الرياء على لسان حملة الشرع فالمراد به المذموم الذي مر حده ثم إن لم يقصد غير الرياء فعبادته باطلة وليته لم يحصل له من السوء غير ذلك بل عليه عظيم الإثم وقبيح الذم كما علم تفصيل ذلك من الآيات والأحاديث السابقة والمعنى في تحريمه وكونه كبيرة وشركا مقتضيا للعن أن فيه استهزاء بالحق تعالى كما مرت الإشارة إليه في الأحاديث ومن ثم قال قتادة كما مر إذا راءى العبد قال الله تعالى انظروا إليه كيف يستهزئ بي ويوضحه أن أحد خدام الملك القائمين في خدمته لو كان قاصدا بوقوفه فيها ملاحظة أمة أو أمرد للملك كان ذلك عند كل من له أدنى مسكة من عقل استهزاء بذلك الملك لأنه لم يقصد تقربا إليه بوجه مع إيهامه أنه على غاية من التقرب وحينئذ فأي استحقار واستهزاء يزيد على قصدك بعبادة ربك مثلك عاجزا عن نفسه من سائر الوجوه فضلا عنك ومع ذلك فقصدك إياه متبرعا بعبادتك ينبئ عن اعتقادك فيه أنه أقدر على تحصيل أغراضك من الله فرفعت العبد الضعيف العاجز على مولاك القوي القادر ومن ثم كان الرياء من كبائر الكبائر المهلكة ولهذا سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم الشرك الأصغر

وفيه أيضا تلبيس على الخلق لإيهامه لهم أنه مخلص مطيع لله تعالى وهو بخلاف ذلك بل التلبيس في الدنيا حرام أيضا حتى لو قضى دين إنسان ليخيل إليه أو إلى غيره أنه متبرع حتى يعتقدوا سخاوته أثم به لما فيه من التلبيس وتملك القلوب بالخداع والمكر

فإن قلت قد تقرر وجه كون الرياء الشرك الأصغر فما وجه افتراقه من الشرك الأكبر قلت يتضح ذلك بمثال هو أن المصلي حتى يقول الناس إنه صالح مثلا يكون رياؤه سببا باعثا له على العمل لكنه في خلال ذلك العمل تارة يقصد به تعظيم الله تعالى وتارة لا يقصد به شيئا وفي كل منهما لم يصدر منه مكفر بخلاف الشرك الأكبر فإنه لا يحصل في هذا إلا إذا قصد بالسجود مثلا تعظيم غير الله تعالى فعلم أن المرائي إنما نشأ له ذلك الشرك بواسطة أنه عظم قدر المخلوق عنده حتى حمله ذلك التعظيم على أن يركع ويسجد فكان ذلك المخلوق هو المعظم بالسجود من وجه وهذا هو عين الشرك الخفي لا الجلي وذلك غاية الجهل ولا يقدم عليه إلا من خدعه الشيطان وأوهم عنده أن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت