والمخالطين كمن يطلب من عالم أو أمير أو صالح أن يأتي إليه لزيارته إيهاما لرفعته وتبرك الأكابر به وكمن يذكر أنه لقي شيوخا كثيرين افتخارا بهم وترفعا بذلك على غيره
فهذه مجامع أبواب الرياء الحامل إيثارها على طلب نحو الجاه والمنزلة واشتهار الصيت حتى تنطلق الألسن بالثناء عليه ويجلب الحطام من سائر الآفاق إليه
ومنها حيث أطلق الرياء على لسان حملة الشرع فالمراد به المذموم الذي مر حده ثم إن لم يقصد غير الرياء فعبادته باطلة وليته لم يحصل له من السوء غير ذلك بل عليه عظيم الإثم وقبيح الذم كما علم تفصيل ذلك من الآيات والأحاديث السابقة والمعنى في تحريمه وكونه كبيرة وشركا مقتضيا للعن أن فيه استهزاء بالحق تعالى كما مرت الإشارة إليه في الأحاديث ومن ثم قال قتادة كما مر إذا راءى العبد قال الله تعالى انظروا إليه كيف يستهزئ بي ويوضحه أن أحد خدام الملك القائمين في خدمته لو كان قاصدا بوقوفه فيها ملاحظة أمة أو أمرد للملك كان ذلك عند كل من له أدنى مسكة من عقل استهزاء بذلك الملك لأنه لم يقصد تقربا إليه بوجه مع إيهامه أنه على غاية من التقرب وحينئذ فأي استحقار واستهزاء يزيد على قصدك بعبادة ربك مثلك عاجزا عن نفسه من سائر الوجوه فضلا عنك ومع ذلك فقصدك إياه متبرعا بعبادتك ينبئ عن اعتقادك فيه أنه أقدر على تحصيل أغراضك من الله فرفعت العبد الضعيف العاجز على مولاك القوي القادر ومن ثم كان الرياء من كبائر الكبائر المهلكة ولهذا سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم الشرك الأصغر
وفيه أيضا تلبيس على الخلق لإيهامه لهم أنه مخلص مطيع لله تعالى وهو بخلاف ذلك بل التلبيس في الدنيا حرام أيضا حتى لو قضى دين إنسان ليخيل إليه أو إلى غيره أنه متبرع حتى يعتقدوا سخاوته أثم به لما فيه من التلبيس وتملك القلوب بالخداع والمكر
فإن قلت قد تقرر وجه كون الرياء الشرك الأصغر فما وجه افتراقه من الشرك الأكبر قلت يتضح ذلك بمثال هو أن المصلي حتى يقول الناس إنه صالح مثلا يكون رياؤه سببا باعثا له على العمل لكنه في خلال ذلك العمل تارة يقصد به تعظيم الله تعالى وتارة لا يقصد به شيئا وفي كل منهما لم يصدر منه مكفر بخلاف الشرك الأكبر فإنه لا يحصل في هذا إلا إذا قصد بالسجود مثلا تعظيم غير الله تعالى فعلم أن المرائي إنما نشأ له ذلك الشرك بواسطة أنه عظم قدر المخلوق عنده حتى حمله ذلك التعظيم على أن يركع ويسجد فكان ذلك المخلوق هو المعظم بالسجود من وجه وهذا هو عين الشرك الخفي لا الجلي وذلك غاية الجهل ولا يقدم عليه إلا من خدعه الشيطان وأوهم عنده أن