واختلف العلماء في أن السحر له حقيقة أم لا فقال بعض العلماء إنه تخييل لا حقيقة له لقوله تعالى يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى وقال الأكثرون وهو الأصح الذي دلت عليه السنة له حقيقة لأن اللعين لبيد بن الأعصم اليهودي الساحر سحر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر صلى الله عليه وسلم بإخراج سحره من بئر ذي أروان بدلالة الوحي له على ذلك فأخرج منها فكان ذا عقد فحلت عقده فكان كلما حلت منه عقدة خف عنه صلى الله عليه وسلم إلى أن فرغت فصار صلى الله عليه وسلم كأنما نشط من عقال
وذهب ابن عمر رضي الله عنهما إلى خيبر ليخرص ثمرها فسحره اليهود فانكتفت يده فأجلاهم عمر
وجاءت امرأة إلى عائشة رضي الله عنها فقالت يا أم المؤمنين ما على المرأة إذا عقلت بعيرها فقالت عائشة ولم تفهم مرادها ليس عليها شيء فقالت إني عقلت زوجي عن النساء فقالت عائشة رضي الله عنها أخرجوا عني هذه الساحرة
والجواب عن الآية أنا لا نمنع أن من السحر ما هو تخييل بل منه ذلك وما له حقيقة
وإنما أثر السحر في رسول الله صلى الله عليه وسلم مع قوله تعالى والله يعصمك من الناس إما لأن المراد منه عصمة القلب والإيمان دون عصمة الجسد عما يرد عليه من الحوادث الدنيوية ومن ثم سحر وشج وجهه وكسرت رباعيته ورمي عليه الكرش والتراب وآذاه جماعة من قريش وإما لأن المراد عصمة النفس عن الافتلات دون العوارض التي تعرض للبدن مع سلامة النفس
وهذا أولى بل هو الصواب لأنه صلى الله عليه وسلم كان يحرس فلما نزلت الآية أمر بترك الحرس
ثم السحر على أقسام أولها سحر الكسدانيين الذين كانوا في قديم الدهر يعبدون الكواكب ويزعمون أنها المدبرة للعالم ومنها يصدر كل مظهر خير وشر وهم المبعوث إليهم إبراهيم صلى الله على نبينا وعليه وعلى آبائه وأبنائه وسلم مبطلا مقالتهم ورادا عليهم وهم ثلاث فرق الأولى الذين يزعمون أن الأفلاك والكواكب واجبة الوجود لذواتها غنية عن موجد ومدبر وخالق وهي المدبرة لعالم الكون والفساد وهم الصابئة الدهرية
والثانية القائلون بإلهية الأفلاك زعموا أنها هي المؤثرة للحوادث باستدارتها وتحركها فعبدوها وعظموها واتخذوا لكل واحد منها هيكلا مخصوصا وصنما معينا واشتغلوا بخدمتها فهذا دين عبدة الأصنام والأوثان
والثالثة أثبتوا لهذه النجوم والأفلاك فاعلا مختارا أوجدها بعد العدم إلا أنه تعالى أعطاها قوة غالبة نافذة في هذا العالم وفوض تدبيره إليها