فهرس الكتاب

الصفحة 161 من 990

من الظن ومن حكم بشر على غيره بمجرد الظن حمله الشيطان على احتقاره وعدم القيام بحقوقه والتواني في إكرامه وإطالة اللسان في عرضه وكل هذه مهلكات

وقد قال صلى الله عليه وسلم لمن أبصره يكلم زوجته صفية إنها أمكما فتطورا لذلك فقال إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئا فأشفق عليهما فحرسهما وعلى أمته فعلمهم طريق الاحتراز من التهمة حتى لا يتساهل العالم الورع في أحواله ظنا منه أنه لا يظن به إلا الخير إعجابا منه بنفسه وهي زلة عظيمة إذ أورع الناس وأتقاهم وأعلمهم لا بد له من منقص ومبغض فتعين الاحتراز عن تهمة الأعداء والأشرار فإنهم لا يظنون بالناس كلهم إلا الشر وكل من رأيته سيئ الظن بالناس طالبا لإظهار معايبهم

فاعلم أن ذلك لخبث باطنه وسوء طويته فإن المؤمن يطلب المعاذير لسلامة باطنه والمنافق يطلب العيوب لخبث باطنه فهذه بعض مداخل الشيطان إلى القلب وفيها تنبيه على باقيها

وبالجملة فليس في الآدمي صفة مذمومة إلا وهي سلاح الشيطان وبها يستعين على إضلاله وإغوائه فالجأ إلى الله وفر إليه من مكائده لعل أن ينجيك منها برحمته واتخذ الذكر سميرا وتذكر الآخرة معينا وظهيرا ودم على ذلك تحفظ إن شاء الله من سائر تلك المهالك

ومنها إذا تأملت ما قررنا واتضح من جميع ما ذكرناه لك عظيم ضرر أكثر تلك الكبائر التي سردناها عن ذلك الإمام وأن ذلك ليس من تفرده بل أخذه من كلمات الأئمة والعلماء الأعلام فاحذر أن يكون بقلبك أو بباطنك شيء من تلك الكبائر فإنها تفسد منك الباطن بل والظاهر

ومنها أن جميع تلك الكبائر يرجع فعلها إلى سوء الخلق وتركها إلى حسن الخلق وحسنه يرجع إلى اعتدال قوة العقل بكمال الحكمة وإلى اعتدال القوة الغضبية والشهوية وإطاعة كل منها للعقل مع الشرع ثم هذا الاعتدال إما أن يكون بجود إلهي وكمال فطري وإما أن يكون باكتساب أسبابه من المجاهدة والرياضة بأن يحمل نفسه على كل عمل يوجب حسن خلقها ويضاد سوء طويتها إذ هي لا تألف ربها ولا تأنس بذكره إلا إذا فطمت عن عادتها وحفظت عن شهواتها بالخلوة والعزلة أولا ليحفظ السمع والبصر عن المألوفات ثم بإدمان الذكر والدعاء في تلك الخلوة إلى أن يغلب عليه الأنس بالله وبذكره فحينئذ يتنعم به في نهايته وإن شق عليه في بدايته وربما ظن من جاهد نفسه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت