ثانيهما: أن الأمر عنده يفيد الاستحباب عند تجرده، وهذا يخالف رأي الجماهير الذين يرونه مفيدا للوجوب [1] ، وإن كان استنباط هذا الرأي لابن ماجه فيه ما فيه؛ لأنه يحتمل أن ابن ماجه صرف هذا الأمر بخصوصه عن الوجوب لقرينة، فهو يرى أن الأمر المجرد يفيد الوجوب، لكن هذا الأمر صرف لقرينة خاصة.
المبحث الثالث: مفاد صيغة النهي:
أورد ابن ماجه صيغة النهي وبوب لها بالكراهة في عدد من المواطن في سننه، فاستفاد من قوله صلى الله عليه وسلم: «لا يبولن أحدكم في مستحمه» . كراهة البول في المغتسل [2] ، ومن قوله: «إذا بال أحدكم فلا يمس ذكره بيمينه ولا يستنج بيمينه» : كراهة مس الذكر باليمين والاستنجاء باليمين، ومن قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا تنخم أحدكم فلا يتنخمن قبل وجهه ولا عن يمينه» استفاد كراهة النخامة في المسجد [3] .
فقد يظن بأن ابن ماجه يرى أن النهي لا يفيد إلا الكراهة، ولا أرى ذلك صحيحا، بل ابن ماجه يوافق الجمهور في أن النهي يفيد التحريم. بدليل ما يأتي:
أولا: أن ابن ماجه يعبر بلفظ الكراهة وهو يريد التحريم كما سبق بيانه، والكراهة قد تطلق ويراد بها التحريم.
ثانيا: أن ابن ماجه عبر بلفظ النهي فيما ورد تأثيم فاعله مما يدل على أنه يرى أن النهي للتحريم، لأن الإثم إنما يلحق فاعل الحرام فهو يقول: (باب النهي أن يستلج الرجل في يمينه ولا يكفر) [4] ، ويستدل عليه بحديث:
«إذا استلج أحدكم في اليمين فإنه آثم له عند الله من الكفارة التي أمر بها» .
فعبر بالنهي فيما فيه إثم مما يدل على أنه يرى أن النهي مفيد للتحريم.
(1) روضة الناظر 2/ 604، قواطع الأدلة 2/ 476، الإبهاج 2/ 42، أصول السرخسي 1/ 132، ميزان الأصول 96.
(2) انظر: سنن ابن ماجه ص 111 كتاب الطهارة باب رقم 12.
(3) سنن ابن ماجه ص 251 كتاب المساجد باب رقم 10.
(4) سنن ابن ماجه ص 683 كتاب الكفارات باب رقم 11.