الصفحة 4 من 28

جل وعلا- العِباد عليها هي الفطرة، وقال - صلى الله عليه وسلم: (قال تعالى: إني خلقتُ عِبادي حُنفاء كلهم فأتَتهُم الشياطين فاجْتَالَتْهُم عن دينهم) ؛ والشياطين هم أصل مادة الشبهات، قال: (فأتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرَّمت عليهم ما أحلَلْتُ لهم) ؛ وبهذا تعلم أن الشبهات لا تختص في إسقاط الأحكام الشرعية فحسب، بل هذا وجه، وتقع الشبهات على ضد ذلك فتكون تحريمًا وتشديدًا في دين الله، وهذا أيضًا مادة من الشبهات.

وأنت ترى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - هنا قال (فأتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرَّمت عليهم ما أحللت لهم) ، وهذا التحريم تشديد، ولم يقل: وأباحت ما حرَّمت عليهم، مع أن هذا يقع، لكنه إشارة فيما جاء في هذا الحرف من الحديث القدسي الذي يذكره النبي عن ربه -سبحانه وتعالى- إشارةً إلى أن مادة الشبهات لا تختصُّ بأحد المتقابِلَيْن عن الآخر.

قال: (وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرَّمت عليهم ما أحللتُ لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا) ؛ وهذه أعلى مادة الشبهات التي أضلَّت بني آدم، فإن أعلى مادة من الضلال هي مادة الشرك والكفر بالله -سبحانه وتعالى-.

قال: (وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا، وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمَقَتَهُم عَرَبهم وعَجَمهم إلا بقايا من أهل الكتاب) ؛ مَقَتَهُم أي أَبْغَضَهم لمَّا انحرفوا عن هَدْي الأنبياء والمرسلين، وعن الأصل الشريف الأول الذي تفضَّل الله به على بني آدم وأخذه عليهم، وهو الميثاق الأول المذكور في القرآن، فيما سبقت الإشارة إليه.

قال: (وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب) ، ثم يقول الله لنبيه: (وإنما بعثتُكَ لأبتَلِيَكَ وأبتلِي بِك، وأنزلتُ عليك كتابًا تقرؤه نائمًا ويقظانًا لا يغسله الماء) ؛ ومعنى أنه لا يغسله الماء أن آياته في صدور الذين أوتوا العلم، معرفةً وعلمًا وعملًا، ولهذا أنزل الله هذا الذِّكر وجعله محفوظًا، فمهما عرض من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت