الصفحة 8 من 42

أيها الأحبة؛ كذلك يكون مما يواجهه الإنسان أسلوب الترغيب كما ذكرنا، ولا يشترط أن يكون فقط ترهيبًا للأعداء وكذا، قد يأتي الترغيب بأموال وكذا ... كما حصل للنبي عليه الصلاة والسلام حين أخرج ابن اسحاق وغيره بإسناد لا بأس به وصححه ابن كثير رحمه الله وقال أن النبي عليه الصلاة والسلام لمَّا صدع بدعوته جاءه كفار قريش وقالوا لعتبة بن ربيعة -أبو الوليد- قالوا له ما صنع هذا الرجل - يعني محمدًا عليه الصلاة والسلام- سفه أحلامنا، و سب آلهتنا، فما ينتظر بعضنا إلا أن يميل على بعض بأسيافنا فنصيح صيحة الحبلى -و هي المرأة الحامل-، فيقتل بعضنا بعضًا.

كأنه يقول أن محمد عليه الصلاة و السلام جاء يفسد بيننا، هذه مفاسد .. يعني يقتل بعضنا ويفرق شملنا بأسلوبهم، فذهب إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقال له: لقد سفهت أحلامنا, وسببت آلهتنا, وما تنتظر إلا أن يميل بعضنا على بعض فنضرب أعناقنا بالسيوف؛ ماذا تريد منا يا محمد؟ إن كنت تريد المال أعطيناك, وإن كانت بك الباءة زوجناك أجمل نساءنا، وإن كنت تريد الملك ملَّكناك فلا نقطع أمرًا دونك .. يعني النبي عليه الصلاة والسلام -بعبارة العصر- بجرة قلم فقط يكتب القرار سياسيًا (لا نقطع أمرًا دونك) .. فقال عليه الصلاة والسلام وهو ينظر إلى بعيد: (أفرغت يا أبا الوليد؟) قال: نعم، فقال: (اسمع مني) : فتلى سورة فصلت -كما تعلمون- حتى وصل إلى قوله تعالى: {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ} [فصِّلت:13] حينئذ قام أبو الوليد فوضع كلتا يديه على فم النبي عليه الصلاة والسلام، وقال:"أنشدك الله والرحم إلا صمت".

سمع كلامًا ليس بالهين، كلامًا توجل منه القلوب؛ ليس كما ذكركفار قريش سفه أحلامنا، وسب آلهتنا، وفرق شملنا، ليس الأمر كذلك، ولكن انظروا إلى ثبات النبي عليه الصلاة والسلام أمام المغريات، ثبت وما غير وما بدل، وبثباته ثبتت الأمة، وبُلِّغت دعوته عليه الصلاة والسلام.

ومن أعظم الفتن التي يستخدمها أعداء الله -عز وجل- في إثناء أهل الخير عن دينهم فتنة النفاق والمنافقين، هؤلاء الذين ما سلم منهم النبي عليه الصلاة والسلام في بادئ الأمر، آذوه عليه الصلاة والسلام في أول وصوله إلى المدينة؛ لما قال له عبد الله بن أبي"لقد آذتنا رائحة حمارك"-يقول عن النبي عليه الصلاة والسلام-، ثم"ليخرجن الأعز منها الأذل"، ثم"ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونا ولا أكذب ألسنة ولا أجبن عند اللقاء"، يقولونها عن من؟ عن أشجع الناس -رمتني بدائها وانسلت- هذه صفات المنافقين، قالوها عن النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه، هل ثنى هذا النبي صلى الله عليه وسلم عن دعوته؟ أو الصحابة؟ أو تأثروا؟، بل أشد من ذلك كما تعلمون في الصحيحين حديث العُرَنِّيين، قال أنس رضي الله عنه: أسلم تسعة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت