بقلم الاستاذ؛ وسيم فتح الله
الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدِلون، والصلاة والسلام على من محى الله تعالى به الكفر فامتاز عن أهله بدعوته المؤمنون.
وبعد:
فلقد أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بمفارقة المشركين الكفرة في منهجهم وعقيدتهم ومسماهم في مراحل مبكرة من الدعوة وقبل حصول التمكين في الأرض، ثم تلا ذلك الأمر بمفارقتهم حسًا ومكانًا بعد أن خلت من علائقهم القلوب وتقطعت منهم الأواصر.
فكان الافتراق في الاسم مبكرًا: {قل يأيها الكافرون} ، كما كان الافتراق في المنهج مبكرًا أيضًا: {لا أعبد ما تعبدون * ولا أنتم عابدون ما أعبد * ولا أنا عابدٌ ما عبدتم * ولا أنتم عابد ما أعبد} ، ثم كان الصارم البتار في قطع الوشيجة بين المؤمنين والكفار: {لكم دينكم ولي دين} ... [الآيات من سورة الكافرون] .
وهذا واضحٌ في الكافر الأصلي لا توقف فيه البتة لمن طعم الإيمان أو فقه شيئًا من معناه. ولقد جاءت الشريعة منبهةً على إمكان تبدُّل الأحوال والقلوب والخواتيم، فبينَّت أن حصول مسمى الإسلام أو الإيمان بشهادة المعيَّن على أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله أمرٌ قابلٌ لما يطرأ عليه فيزيله، وحسبك قوله تعالى: {يأيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقًا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين} [آل عمران: 100] .
فبينت الآية إمكان طروء الكفر بعد الإيمان وصرحت آيات أخر بوقوع ذلك فعلًا كما في قوله تعالى: {إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرًا لن تُقبل توبتهم وأولئك هم الضالون} [آل عمران: 90] ، ولم يقف القرآن الكريم عند حد المجمل من هذا الكفر الطارئ بل بيَّن تفصيل بعض المناطات المكفرة وحكَم بالكفر على من تحقق فيه هذا المناط أو ذاك، تأمل معي قوله تعالى: {ولئن سألتهم ليقولنَّ إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون * لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين} [التوبة: 65 - 66] .