الصفحة 9 من 194

فعندما جاء الأنبياء وأمروهم بتوحيد الله وتحكيم شرعه بالأمور السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، فرفض مجموعة منهم هذا الأمر، وقبل مجموعة أخرى به، فانقسم الناس إلى مجموعتين، مؤمن وكافر، فالدين لم يأت لتجميع الناس، بل جاء لتفريقهم، كما في الحديث الصحيح عن جابر بن عبد الله قال: (فمن أطاع محمدا صلى الله عليه وسلم فقد أطاع الله، و من عصى محمدا فقد عصى الله، و محمد فرق بين الناس) وكذلك ورد عن عيسى عليه السلام في إنجيل متى 10: 34 (( اَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأُلْقِيَ سَلاَمًا عَلَى الأَرْضِ. مَا جِئْتُ لأُلْقِيَ سَلاَمًا بَلْ سَيْفًا. 35 فَإِنِّي جِئْتُ لأُفَرِّقَ الإِنْسَانَ ضِدَّ أَبِيهِ، وَالابْنَةَ ضِدَّ أُمِّهَا، وَالْكَنَّةَ ضِدَّ حَمَاتِهَا. 36 وَأَعْدَاءُ الإِنْسَانِ أَهْلُ بَيْتِهِ ) )وهذا على أساس العقيدة، وكذلك ورد عن نوح عليه السلام في سورة هود، عندما نجّاه الله وأهله في السفينة فبقى ولد له لم يركب معهم وكان هذا الولد كافرًا فقال نوح: {وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45) } فرد عليه تعالى قائلا: {قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (46) } فأخرجه الله تعالى من مسمّى الأهل لكفره.

قال تعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} أي أن أساس خلقنا هو الاختلاف، فليس الهدف هو الجمع بين الناس على أي اعتبار، بل الهدف هو هذه المفاصلة بين الناس على أساس العقيدة، والتجميع لا يكومن إلا على أساس التقوى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألا لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى إن أكرمكم عند الله أتقاكم) .

قال تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ} ، وهذه هي حقيقة الصراع، فالصراع الدائر اليوم كله، بين الغرب والشرف، وبين الشعب والحكومة، والعرب واليهود إنما هو في حقيقته يدور حول مفهوم الكفر والإيمان، لكن الكفّار يعطونه أسماء وشعارات أخرى ليلفتون أنظار الناس عن حقيقة هذا الصراع والانقسام، واليوم بجد الكثير من الناس يتكلمون عن ما يسمّى بالانسانيّة، وهذه الإنسانيّة في أصلها مذهب نشأ في القرون الوسطى في أوربا، يقول: (علينا أن لا ننظر إلى الانسان حسب عرفه أو دينه، بل ننظر إليه كإنسان) فيقول البعض أنا عملي إنساني أو واجبي إنساني، وهذا كلام خاطئ فمهما بلغ بنا الأمر يجب أن لا نتعامل وفق هذا المفهوم أو غيره، بل نتعامل وفق ديننا، وما يأمرنا به ربنا.

سابعًا: نتيجة هذا الانقسام انعقدت العداوة بين الفريقين

فعند وجود فريقين، أحدهما على الحق والآخر على الباطل، فلا يمكن أن يجتمعا في خندق واحد، فانعقدت على أساس الحق والباطل بينهما العداوة، وحصل الصراع بينهما، ودائما الكفّار هم من يبدأ بالاعتداء، منذ خلق الله آدم عليه السلام وقبل أن تنفخ فيه الروح، كان إبليس يتردد عليه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لما صور الله تعالى آدم في الجنة تركه ما شاء الله أن يتركه فجعل إبليس يطيف به ينظر إليه فلما رآه أجوف عرف أنه خلق لا يتمالك) ، ثم عندما أمر الله تعالى الملائكة بالسجود لآدم، قال إبليس لربه: (بعزتك و جلالك لا أبرح أغوي بني آدم ما دامت الأرواح) ، فالباطل لا يرتاح بوجود الحق، كذلك أعداء الأنبياء، أتاهم الأنبياء بالحق فعادوهم وكذبوهم وأذوهم وأخرجوهم من ديارهم، قال تعالى: {وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا} فأوضح الله تعالى أن الكفار يبدؤون المؤمنين بالقتال، ولا يهدأ لهم عيش حتّى يترك أهل الحق الحقّ الذي معهم.

ثامنًا: على هذا الاعتبار نشأت عقيدة الولاء والبراء

فبعد أن انقسم الناس إلى مؤمنين وكفّار وانعقدت بينهم العداوة والبغضاء، نشأت عقيدة الولاء والبراء.

المؤمن يعادي الكافر، والكافر يعادي المؤمن، والمؤمن يوالي المؤمن، والكافر يوالي الكافر، قال تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} وقال: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} وقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت