الصفحة 8 من 194

أول قسم من أقسام التوحيد، هو توحيد المعرفة والإثبات، وهذا النوع يتمحور حول"الله"سبحانه وتعالى، ومعرفته بأسمائه وصفاته، وأنّه المنفرد بالخلق والرزق والتدبير، وأنّ له الأسماء الحسنى والصفات العلا، وإثباتها له بما يليق بجلاله وعظيم سلطانه، كما جاء في قوله تعالى {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) } كل هذه الصفات تقع في توحيد المعرفة الإثبات

ثاني قسم من أقسام التوحيد، هو توحيد النسك، أي إفراد الله تعالى بالشعائر التعبّديّة النسكيّة، كما قال تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} ، والشعائر التنسّكيّة هي ما تسمّى في كتب الفقه"قسم العبادات"كالصلاة والصوم والحج والذبح والمحبّة والتوكل.

والذي يغلط الناس فيه اليوم هو أنّهم يحصرون معنى العبادة بالنسك، فيعتقدون أن الذي يصلّي ويزكّي والذي يحج، هذا الذي يعبد الله تعالى، لكن في الواقع توحيد النسك هو جزء من توحيد الله عز وجل، ولا خلاف في ذلك.

لكن الشيء الذي وقع فيه الخلاف بين الناس عبر التاريخ، هو توحيد الحاكميّة، أي إفراد الله تعالى بالحكم والتحاكم والطاعة، وهذا القسم من التوحيد هو الذي دار عليه الصراع بين الأنبياء وأقوامهم، لأن العبادة في اللغة هي الطاعة (يُقال طريق معبّد أي طريق مذلل) فالمعنى الأصلي للتوحيد هو الطاعة والالتزام بأوامر السيّد، قال تعالى: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} فجعل عبادته عز جل إفراده بالحكم، وفرعون عندما قال: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} أي أنا سيدكم وآمركم وأنا الذي تأخذون الحكم منّي، ففرعون لم يدّعي أنّه الخالق أو الرازق، لكنّه ادّعى السيادة لنفسه بقوله: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} ، وكذلك قال تعالى في قصّة سيدنا يوسف: {مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ} ودين الملك أي نظام الملك، كما في الدساتير اليوم نجدهم يكتبون"دين الدولة هو الإسلام"فجاء هذا النص باعتبار أن غالبيّة السكّان مسلمين، لكنّنا عندما نقول أن ديننا هو الإسلام أي أننا نتعبّد لله تعالى بالنسك، وكذلك بالحاكميّة، أي أننا نتعبد لله تعالى باتباع دينه في أنظمتنا الاقتصادية والاجتماعية والسياسيّة وفق شريعته سبحانه وتعالى، فتوحيد الحاكميّة هو الذي دار عليه الصراع فلو جاء الأنبياء لتعريف الناس تعالى بصفاته وأسماءه وما يستحق من صلاة وصيام، لوافقهم الناس، إذ أن هذا الأمر لا يتعارض مع غريزتهم الفطريّة، لكن الأنبياء جاءوا لتكون الحياة كلها مصاغة وفق منهج الله تعالى، ولكي نكفر بجميع الأنظمة والدساتير التي وضعها الإنسان وننقاد لدستور الله الاله الواحد، ولذلك اعترضوا على شعيب {قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ} أي ما دخل الصلاة (النسك) بالنظام الاجتماعي والاقتصاد الذي نسير عليه، وكذلك عندما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت قريش تعلم انها عندما تلتزم بدين رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّها توجّب عليها أن تنسلخ عن جميع الوثنيات والأفكار والعادات الجاهليّة التي عاشت عليها، وتنقاد عوضاّ عنها إلى شرع الله عز وجل، وكذلك فرعون، فقد اتّهم موسى عليه السلام بأنّه يهدد الوحدة الوطنيّة ونظام المجتمع الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، قال: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ} .

وهناك دعاء علمنا إياه رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فيه: (اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ وَبِكَ آمَنْتُ وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ وَبِكَ خَاصَمْتُ وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ) ، فإن قال قائل (اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ وَبِكَ آمَنْتُ وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ) فهذا لا خلاف فيه ولا خلاف عليه وهو أمر مسلم به، وإن قال قائل (لم اسلم لله) أو (لم أؤمن بالله) أو (لم أتوكل على الله) لقال له الناس أنت كافر ولم يترددوا بذلك، أما قول (وبك خاصمت وإليك حاكمت) فإذا قال قائل اليوم"أنا لا أتحاكم إلى شريعة الله تعالى، وأنا أتحاكم إلى القانون الفرنسي، أو إلى الدستور الوضعي، أو إلى شرعة الأمم المتّحدة"نجد هناك من يتلكّأ، مع أنه دعاء واحد وأمور متلازمة لا تنفك عن بعضها، فمسألة الحاكميّة هي أحد أسس هذا الدين بل أنّها مقصود الدين.

سادسًا: نتيجة هذا الخلاف انقسم الناس انقساما قدريًا الى مجموعتين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت