وفي العصر الحالي كانت الأمّة الإسلاميّة هي المسيطرة من خلال الخلافة العثمانيّة، لكنّها لم تسلم من تآمر الكفّار، حتّى استطاعوا إسقاطها في عام أربع وعشرون وتسعمائة وألف، فلم يبق للمسلمين كيان يمثلهم ويوحّدهم.
ومن خلال الاحتلال الغربي، جاء سايكس وبيكو فقسّموا الأمّة إلى دويلات صغيرة، واستبدلوا القوانين في تلك الدول إلى قوانين مبدّلة ومخالفة لشرع الله، فبدأت خلايا الكفر من تيّارات قوميّة وبعثيّة وعلمانية تتغلغل في المجتمعات المسلمة، فاختلفت ردّات فعل الناس تجاه الواقع لإصلاح الوضع، فبدأت المشاريع العاملة لنصرة الإسلام، ونتيجة للإنهزاميّة وضغوط الأمر الواقع لم يفكر عموم الناس بالجهاد.
فنشأت أول حركة تدعو للجهاد في ذاك الزمن وكانت جماعة التبليغ والدعوة على يد الشيخ الكندهلي، الذي رأى أن الحل لمشاكل الأمّة عن طريق تبليغ هذا الدين، فأصبح يفسّر الدين بما يوافق الدعوى، ففسر - على سبيل المثال - الجهاد بالدعوة، فأصبح لدى هذه الجماعة نوع من الإرجاء، نستطيع القول بأنّ هذه الجماعة هي نوع من الصوفيّة الحركيّة.
نشأت بعدها جماعة الأخوان المسلمين على يد الشيخ حسن البنا، والتي كان لديها وعي أكبر، حيث أنّها رأن أنّ مشكلة الأمّة لا تحل فقط بالدعوة، فالتحدّي مع أكبر من هذا المفهوم، وقوّة الدولة الإسلاميّة كانت من خلال نظام الحكم فيها والذي هو النظام الإسلامي، فلمّا أزيل نظام الحكم منها، ضعفت الدولة وهانت، فإذا أردنا إعادة مجد هذه الأمة لها فلابدّ أن نعيد لها حكمها وفق شرع الله، فبدأوا بالدعوة لهذا المنهج، وعملوا بِجد على التحرّك، وذهبوا للقتال في فلسطين، فحدث صدام بينهم وبين الطواغيت، مما أدّى بالملك فاروق أن يقتل الشيخ حسن البنّا، وقاموا بسجن أبناء هذه الجماعة، ونتيجة وجودهم في السجن نشأ تيّار الشيخ الهضيبي.
ألف الشيخ حسن الهضيبي كتابًا أسماه"دعاة لا قضاة"، فبعد أن كان الأخوان المسلمون يكفّرون الطواغيت ويدعون لقتالهم، جاء هذا التيّار الهضيبي نتيجة للضغوط، يقول إنّما نحن مسئوليتنا أن ندعوهم إلى الإسلام وليس من مهمتنا أن نقضي عليهم بكفر أو ردّة أو ما شابه، وقال مقولته المشهورة"أقيموا دولة الإسلام في قلوبكم تقم لكم على أرضكم".
ثم بعد ذلك تطورت جماعة الاخوان المسلميمن من خلال الشيخ سيد قطب والشيخ أبو أعلى المودودي، الذين بدأوا تيّارًا ثوريًا جديدًا، ووقفوا في وجه الكفر والطواغيت، إلى أن تعرّض الشيخ سيّد قطب إلى الإعدام على يد جمال عبد الناصر، فاتّجه البعض بعد هذه المحنة إلى فكر الخوارج كجماعة التكفير والهجرة، واتجه البعض الآخر إلى تمييع الفكر والإنسحابيّة، كم هو حال الاخوان المسلمون في عصرنا الحالي.
فكّر أحد تلاميذ سيدد قطب وهو الشيخ عبد الله عزّام بالهجرى إلى أفغانستان، لكن كان له نضرة بعيدة، فرأى أن البقاء على هذا الحال لن يجدي نفعًا، وإصلاح الأمّة لن يكون إلّا بالجهاد، ولن يكون الجهاد جهادًا حتى يكون شعبيًّا يتفاعل فيه كل أبناء المجتمع، فجهاد كل الحركات الإسلاميّة انتهى بالفشل لأنّه كان جهاد نخبة أو فئة محدودة، فذهب إلى أفغانستان وكان أول من يذهب إلى الجهاد في تلك المنطقة بالرغم من أنّه من فلسطين، لكنّه رأى أن هناك أرض خصبة للجهاد، فشعبها لا يزال على الفطرة محبًّا للإسلام بعيدًا عن المؤامرات الدوليّة، وعلى أرضها يوجد عدو روسي شيوعي، وبدأ بالتحريض إلى الجهاد في تلك المنطقة، التي التي أصبحت قبلة المجاهدين، ومن الذين ذهبوا إلى تلك المنطقة كان الشيخ أسامة بن لادن والشيخ أيمن الظواهري.