الصفحة 46 من 194

مذهب أهل السنة: وهذا المذهب هو الوسط بين المرجئة الذين أخرجوا العمل بشكل نهائي وبين الخوارج الذين أدخلوا العمل بشكل كامل، العمل يدخل بأصل الإيمان باعتبار مطلق العمل أو جنس العمل (وهو الحد الأدنى المقبول من العمل الظاهر والباطن، الذي لابد من الإتين به حتى لا يكون الإنسان كافرًا) وهذا الجنس محدد بحديث الشفاعة (إذا فرغ الله من القضاء بين العباد و أراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل النار أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله شيئا ممن يقول لا إله إلا الله فيخرجونهم و يعرفونهم بآثار السجود و حرم الله على النار أن تأكل آثار السجود) ، فنفهم من هذا الحديث أن هؤلاء آخر الناس الذين يخرجون من النار، إذًا فهذا هو الحد النهائي المقبول حتى تتحقق فيهم الشفاعة، وهؤلاء عندهم (1) الإقرار بالشهادتين (2) لا يشركون بالله شيئًا أي يجتنبون النوقض (3) فيعرفونهم بآثار السجود أي أنهم يصلون، وهذه الأمور الثلاث هي جنس العمل، وهذا القدر متفق عليه عند أهل السنّة، إلّا في القسم الثالث -الصلاة- فقد حصل خلاف حول جنس الفرائض، فهناك من أهل السنّة من أدخل في جنس الفرائض ليس فقط الصلاة بل أدخل فيها الزكاة والصيام والحج،

فأمّا بالنسبة للزكاة لأن الله دائمًا يقرن بين الصلاة والزكاة {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} ، {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} ، {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ} ، وقول أبو بكر الصدّيق (لأقاتلنّ من فرّق بين الصلاة والزكاة) وعن ابن مسعود:"أنَّ تارك الزَّكاة ليس بمسلم"

أما مسألة الصيام: فعن إبن عبّاس - والبعض رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم - قال: (عرى الإسلام وقواعد الدين ثلاثة، عليهن أسس الإسلام، من ترك واحدة منها فهو كافر حلال الدم: شهادة أن لا إله إلا الله، والصلاة المكتوبة، وصوم رمضان) وعلى هذا ذهب ابن عبّاس وبعض السلف على أن تارك الزكاة كافر

وبالنسبة للحج فقد قال تعالى {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ}

وهؤلاء مع الشهادة والصلاة فهم المباني الخمسة، وبالنسبة للشهادة والصلاة ففيه إجماع الأمة، وبالنسبة للزكاة فهو رأي جمهور السلف، وبالنسبة للصيام والحج فهو مذهب بعض السلف

يقول سفيان بن عيينة: والمرجئة عدّوا ترك الفرائض، بمنزلة ركوب المحارم، وفرق بين الأمرين فإن ترك الفرائض من غير عذر ولا جهل كفر، وأما ركوب المحارم من غير استحلال لها معصية، فإن الله كفر إبليس لمّا ترك السجود لآدم ولم يكفّر آدم لأنه أكل من الشجرة.

فنحن نهتم بأمر المأمورات أكثر من اهتمامنا بالمنهيات، فالفرائض أعظم من النواهي، فترك الفرائض عمدا من غير غذر ولا جهل فهو كفر، أما ركوب المحارم من غير استحلال لها يعتبر معصية

فأهل السنّة ركّزوا على المباني الخمسة، وهذا ما رجّحه الإمام أحمد وهو له خمس روايات ذكرها ابن تيمية في كتابه الإيمان، قال: يكفّر بواحدة من الأركان، وفي رواية يكفّر بالصلاة، وفي رواية يكفّر بالصلاة والزكاة، وفي رواية يكفّر بالحج.

بالنسبة للصلاة، ما هو المقصود بالترك؟؟

حصل خلاف بين أهل السنّة، فذهب البعض إلى أن تارك الصلاة هو الذي يتركها مطلقًا وهذا رأي شيخ الإسلام، والذي يصلي ويترك فهو منافق، وهناك من ذهب إلى أن من ترك فريضة واحدة متعمدًا فقد كفر، والأصح هو قول شيخ الإسلام

وتارك الفرائض الذي يتركها ويقطعها فهو منافق تجري عليه أحكام المنافقين، فإذا رفع هذا الأمر إلى القضاء تعرض عليه الصلاة أو الزكاة (بحسب حاله) فإذا قبلها يعزّر ويترك، وإذا امتنع يقتل ردّة، فتاركي الصلاة في وقتنا الحالي لا يعتبر مرتد لأنه لم تعرض عليه الصلاة لذلك يطلق عليه حكم النفاق، فإذا عرضوا على القضاء الشرعي وامتنعوا أخذوا أحكام الردّة، لأنهم منعوا الصلاة لذلك اسمهم مانعي الصلاة.

قال الله تعالى {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} أي كفروا لأنهم تركوا العمل، وهناك كفر آخر وهو كفر التولي والإعراض، وهناك كفر التولّي {فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (31) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى} فجعل مقابل التصديق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت