يقول شيخ الإسلام في مقدمة أصول التفسير:"قال تعالى: {سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاء ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَدًا} "
فقد اشتملت هذه الآية الكريمة على الأدب في هذا المقام، وتعليم ما ينبغي في مثل هذا؛ فإنه تعالى أخبر عنهم بثلاثة أقوال، ضعف القولين الأولين، وسكت عن الثالث، فدل على صحته؛ إذ لو كان باطلًا لرده كما ردهما، ثم أرشد إلى أن الاطلاع على عدتهم لا طائل تحته، فيقال في مثل هذا: {قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم} فإنه ما يعلم بذلك إلا قليل من الناس ممن أطلعه اللّه عليه؛ فلهذا قال: {فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاء ظَاهِرًا} أي: لا تجهد نفسك فيما لا طائل تحته، ولا تسألهم عن ذلك؛ فإنهم لا يعلمون من ذلك إلا رجْم الغيب.
فهذا أحسن ما يكون في حكاية الخلاف؛ أن تستوعب الأقوال في ذلك المقام، وأن ينبه على الصحيح منها، ويبطل الباطل، وتذكر فائدة الخلاف وثمرته؛ لئلا يطول النزاع والخلاف فيما لا فائدة تحته، فيشتغل به عن الأهم.
فأما من حكى خلافًا في مسألة ولم يستوعب أقوال الناس فيها فهو ناقص؛ إذ قد يكون الصواب في الذي تركه أو يحكى الخلاف ويطلقه، ولا ينبه على الصحيح من الأقوال فهو ناقص أيضًا
فإن صحح غير الصحيح عامدًا فقد تعمد الكذب، أو جاهلا فقد أخطأ، كذلك من نصب الخلاف فيما لا فائدة تحته أو حكى أقوالًا متعددة لفظًا، و يرجع حاصلها إلى قول أو قولين معنى فقد ضيع الزمان، وتكثر بما ليس بصحيح فهو كلابس ثوبي زور. واللّه الموفق للصواب"أه."
أمّا طالب العلم: فهو في مرتبة ليس بالعامّي وليس بالعالم، فهو يفهم كلام العلماء، وله اطلاع على كتب أهل العلم، والفتاوى والمذاهب، ويستطيع أن يميّز كلام العلماء، لكنّه ينقل كلام العلماء وينزله في المسائل. ويطلق عليه أسماء: كالمتّبع، أو مجتهد مسألة، مجتهد في مذهب، أو مرجّح، أو مخرّج.
فعندما يقول العلماء"يجوز قضاء الجاهل"فهم يقصدون طالب العلم هذا!
الخطأ في التكفير الاجتهادي
الذي يخطئ بالتكفير الاجتهادي،
يقول البخاري رحمه الله في صحيحه"بَاب مَنْ كَفَّرَ أَخَاهُ بِغَيْرِ تَأْوِيلٍ فَهُوَ كَمَا قَالَ"وقال أهل العلم، أنّ من أخطأ بتكفير المعيّن، فإذا كان هذا الإنسان ليس من أهل الاجتهاد، ولم يبذل الجهد في الاجتهاد، وتجاوز الحد المسموح له بالتكفير، يكون هنا آثمًا، ويصل به الأمر إلى الكفر الأصغر، وقال صلى الله عليه وسلم: (ذَا قَالَ الرَّجُلُ لِأَخِيهِ يَا كَافِرُ فَقَدْ بَاءَ بِهِ أَحَدُهُمَا) ، وقال بعض أهل العلم كفره هنا أصغر.
لكن الذي يكفّر أخوه المسلم لشهوة أو حميّة أو غضب، قال أهل العلم يكفر كفرًا أصغر، والبعض قال يكفر كفرًا أكبر.
وإن كان قد اجتهد وسعه وكان قاصدًا الحميّة للدين، وأخطأ في إنزال الحكم على المعيّن، فلا إثم عليه، بل قد يكون مأجورًا أجرًا واحدا، ومن أمثلة هذا:
-تكفير عمر رضي الله عنه لحاطب رضي الله عنه، وكان دافع عمر رضي الله عنه الغيرة على الدين، فلم يَكفر عمر بهذا الفعل.
-تكفير أسامة بن زيد للرجل الذي قال لا اله إلّا الله، ظنّا منه أنّه قالها تعوّذًا، والرسول صلى الله عليه وسلم عذر أسامة ولم يُكفّره.