الصفحة 149 من 194

أمّا إنزال الأحكام على الأعيان وعلى الواقع وعلى النوازل، إنّما يكون لله والرسول وللمؤهّلين من المسلمين، لذلك قال الله تعالى لنبيّه: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} ، ومشكلة الخوارج جميعهم أنّهم لم يفهموا العلاقة بين الحكم الشرعي والحكم القضائي، فظنّوا أنّ جميع الأحكام هي أحكامًا شرعيّة، ولذلك كفّروا علي رضي الله عنه عندما أراد أن يحكّم الرّجال في حقن الدماء.

فالفرق بين الحكم التشريعي والقضائي: أنّ التشريعي حقّ خالص لله، وأمّا القضائي فلله والرسول والمؤهّلين من المسلمين، وهذا الذي يعطي واقعيّة الشريعة، فالشريعة صالحة للتطبيق لأنّ هناك مؤهّلين يُنزلون هذه الأحكام على الواقع.

فالمقصود بعبارة"ويحكم عليه مؤهّل بالكفر"المقصود هنا الحكم القضائي. أمّا قولنا"بقول أو فعل مكفّر"فهنا كان المقصود هو الحكم الشرعي.

من الذي يحق له إنزال الحكم القضائي

البعض يظن أن الحكم القضائي يحتاج إلى قاض ليقوم به، والصحيح أنّه أيّ إنسان يقوم بإنزال الحكم الشرعي على الواقع أو الأعيان أو النوازل، فهذا يكون أطلق حكمًا قضائيًّا.

إذن فالحكم القضائي قد يكون للعوام، وقد يكون للعلماء، وقد يكون للقضاة. لذلك فتوة المفتي تُعتبر حكمًا قضائيًّا

الفرق بين المفتي والقاضي

القاضي ... المفتي

حكمه قضائي ... حكمه قضائي، لأنّه ينزل الحكم الشرعي على الواقع

حكمه مُلزِم ... حكمه غير مُلزم

لابدّ له من سماع كلام الخصوم، (إلّا في حالة تغيّب الخصم) ... يحق له الإفتاء حتّى دون سماع كلام الخصوم، لأنّ كلامه من باب الفتوى وتوضيح حكم الشارع في المسألة. ... لكن لو سُئل في مسألة تتعلق في الحقوق الشخصيّة فلابدّ له من تحويلها إلى قاضي لينظر فيها.

القضاء أسهل من حيث وجود مهلة للحكم وجمع للكلام والأدلّة والتدقيق، فيخرج حكمه اكثر موافقة للحق. ... الفتوى ليس فيها مهلة للبحث، فالخطأ هنا قد يكون أكبر.

الأهليّة في التكفير الاجتهادي

1)أهليّة العوام

فالعوام لهم أهليّة في الكفير الاجتهادي، لكن لأنّ العوام ليس لديهم ألأهليّة الكاملة وضعنا عليهم شروط، فكل المسائل التي تحتاج إلى نظر واجتهاد، فلا أحقّيّة للعوام بها، أمّا هنا فلهم حق بالحكم، لكنّه بقيّد بالشروط الخمة التالية:

1 -أن يكون الناقض في أصل الدين: لأنّ الناقض في أصل الدين لا يقبل العذر بالجهل ولا التأويل، فمسألة مناقشة الجهل المعجز والتأويل المعتبر تحتاج إلى علماء.

2 -أن يكون الناقض صريحا: فإذا كان محتملًا فلابدّ له من عالم يحدد دلالة العرف، ودلالة اللفظ، وقرينة من سلوك الفاعل، وقرينة من الحادثة، وقد يحتاج إلى السؤال عن قصد الفعل. لكن عندما يكون صريحًا فلا نحتاج لكل ذلك البحث.

3 -أن لا تكون هناك شبهة في الثبوت الشرعي: حيث يكون ثابتًا ثبوتًا صريحا لا شبهة فيه.

4 -أن لا تكون هناك شبهة في الإكراه: فالإكراه يرفع الأثر المترتّب على قول أو فعل الكفر إن كان في الأصل أو في التفاصيل، فوجود أي شبهة في الإكراه تحتاج لمؤهّل ينظر فيها.

5 -أن لا تكون هناك شبهة في الخطأ بالقصد: فبمجرد وجود شبهة هنا يجب أن يتوقّف، لأنّ الأمر هنا يصبح قابلًا للاجتهاد، فلا يلام الشخص على توقّفه هنا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت