مِنْهُمْ تُقَاةً، فتأوّل الإكراه الذي قد يحدث على أهله، حيث أنّهم ليس لهم عشيرة أو قرابات تحميهم، فقد ينتقم قريش من المسلمين فيؤذون أهله، فأراد أن يصنع يد عندهم لكي لا يتعرّضوا لهم.
فهو تأوّل الرخصة الشرعيّة ولم يتأوّل الموالاة.
2 -أن يكون له شبهة من علم أو لغة: له شبهة في قوله تعالى: {إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً}
3 -أن تكون له قرينة: يوجد قرينة من سلوكه وهي أنّه من أهل بدر، فكونه من أهل بدر، هذه تعتبر قرينة وليست مانعا، وكذلك قرينة من قصّة الحادثة، فالمنافقين عندما يُتّهمون بفعل ما عادةً ما ينكرون، ويحلفون الأيمان، أمّا حاطب فقد اعترف مباشرة بفعله.
4 -أن يعتقد أنّ فعله مباحًا أو طاعة: حاطب رضي الله عنه اعترف مباشرة بفعله، ونّه معتقدًا أنّ فعله مباحًا أو طاعة، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم (صدقكم) .
وكلمة صدق في اللغة تُطلق على معنيين، الأوّل مطابقة الواقع والحقيقة، والثاني، هو مطابقة قول الإنسان لاعتقاده بغضّ النظر لمطابقة الحقيقة، وكذلك الكذب فتطلق على عدم مطابقة القول لما في القلب، أو عدم مطابقة القول للحقيقة، فعندما قال أبو السنابل لبنت عمّه الحبلى (وكانت قد مات زوجها) أنّ عدّتها أربعة أشهر وعشرة أيّان، قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كذبَ أبو السنابل؛ ليس كما قالَ، قد حللتِ، فانكِحِي) فالقصد هنا أنّ أبو السنابل لم يصب الحق في كلامه، وليس أنّه قال غير الذي في قلبه، أمّا في قوله تعالى: {وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} ، فهذا دلّ على قولهم ما ليس في قلوبهم.
فعندما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (صدقكم) ، هو لم يقصد أنّ فعل حاطب رضي الله عنه صحيح، بل قصد أنّ حاطب طابق كلامه ما في قلبه.
وهذا القول الراجح في المسألة والله أعلم.
وقول عمر (يَا رَسُولَ اللَّهِ دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ) كان يقصده من باب التعزير على ذلك الفعل، فالمسلم قد يُقتل من باب التعزير ومثال على ذلك الطائفة الممتنعة، ومرتكب فعل قوم لوط، فهؤلاء يقتلون تعزيرا، فالرسول صلى الله عليه وسلم قال لعمر (وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَى مَنْ شَهِدَ بَدْرًا فَقَالَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ) فهو رفع عن حاطب التعزير لأنّه من أهل بدر، فالشفاعة في الحدود لا تُقبل، فجاء في البخاري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: (وَأيْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَ) ، لكن في التعزير تقبل، لقوله صلى الله عليه وسلم الذي رواه البخاري في الأدب المفرد بسند صحيح (أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم) ومعناه تجاوزوا عن أهل المروءة والصلاح والفضل في زلّاتهم.
7 -من هو المؤهّل بالكفر
أي من هو الذي يحق له أن يقوم بعمليّة التكفير؟، لا نستطيع القول بأنّ قضيّة إنزال الحكم على الأفراد من اختصاص فئة معيّنة من الناس، فالقضيّة فيها تفصيل، وبناء على هذه الحيثية، قسّم العلماء التكفير من حيث الأهليّة إلى قسمين.
التكفير من حيث الأهليّة
التكفير القطعي
وهذا عندما يكون الكفر في الأمور المعلومة من الدين بالضرورة، وهو قطعي لأنّ الأدلّة فيه قطعيّة، والتكفير القطعي هو من حق جميع الأمّة عوام وعلماء، وهو يشتمل على عدّة أمور، أبرزها:
1 -تكفير أعيان الكفّار الأصليين: كاليهود والنصارى والمجوس والهندوس، فلابدّ من تكفير أعيانهم، وهنا تنطبق القاعدة التي تقول:"من لم يكفّر الكافر أو شكّ في كفره فهو كافر"فأوّل ما تُحمل هذه القاعدة على الكفّار الأصليين لأنّهم لم يدينوا بدين الإسلام، ولم يقوموا بعقد الالتزام، والله تعالى يقول: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ} فلا يجوز أن يتوقّف الإنسان في تكفيرهم، وإلّا لكفر، لأنّه بذلك كذّب النصوص الصريحة وردّها.