بَعْدَ الْإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"أَمَا إِنَّهُ قَدْ صَدَقَكُمْ"فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ، فَقَالَ:"إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَى مَنْ شَهِدَ بَدْرًا فَقَالَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ"فَأَنْزَلَ اللَّهُ السُّورَةَ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ} ) (تعادى بنا خيلنا) أسرعت بنا وتعدت عن مشيتها المعتادة، (عقاصها) جمع عقيصة وهي الشعر الذي يلوى ويدخل أطرافه في أصوله.
وفي رواية عند البخاري أيضًا (فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"صَدَقَ وَلَا تَقُولُوا لَهُ إِلَّا خَيْرًا"فَقَالَ عُمَرُ إِنَّهُ قَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ فَدَعْنِي فَلِأَضْرِبَ عُنُقَهُ)
وجاء في مسند البزّار عن عمر بن الخطّاب رضي الله عنه قال: (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَمْكِنِّي مِنْ حَاطِبٍ، فَإِنَّهُ قَدْ كَفَرَ فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ)
وهذه القصّة دائما ما يستدل بها المرجئة وأنصار الطواغيت، فيضخّمون فعل حاطب رضي الله عنه ويقولون هذا تجسس، وأنّه كان مواليًا للمشركين، ولكن لأنّه لم يقصد الكفر ولم يستحل هذا الذنب، وإنّما فعله لشهوة، فهو معذور. فعليه يقولون بأنّ من دخل في جيش الكفّار وناصر الكفّار، وتولّاهم وظاهرهم، فإن اعتقد معتقدهم فقد كفر، وإن لم يكن معتقدًا معتقدهم وفعل هذا الأمر لشهوة أو مصلحة دنيويّة فهو عاص من العصاة أو فاسق، لأنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكفّر حاطب رضي الله عنه.
لكن في حقيقة القصّة فهي تصلح لأن تكون دليلًا لمسألة التأويل من جهة، وتصلح لأن تكون دليلًا على مسألة الإكراه من جهة أخرى، ودراستها في باب الإكراه أولى، وتصلح لأن تكون تطبيقًا عمليًّا لكثير من القصايا التي تطرّقنا إليها في مسألة التكفير.
طبيعة فعل حاطب رضي الله عنه
اختلف العلماء في طبيعة فعل حاطب رضي الله عنه.
المذهب الأوّل: وهو مذهل الإمام مالك في رواية عنه، وعمر بن القاسم، وسحنون، اعتبروا أنّ فعله كفر، ومن راسل الكفّار فهو مرتدّ زنديق، واستدلّوا بالقصّة نفسها، في قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (إِنَّهُ قَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ) وقوله (دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ) وقوله (فَإِنَّهُ قَدْ كَفَرَ) ، فقالوا بأنّ قول عمر دليل على أنّ فعل حاطب هو في مفهوم الصحابة أنّه كفر والدليل الثاني أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم لم ينكر على عمر بن الخطّاب تكفيره لحاطب، ولم يقل له أنّه لم يكفر، بل قال له أنّه شهد بدرا.
المذهب الثاني: وهو رأي شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو أنّ فعل حاطب ليس من الموالاة الكبرى، بل هي من الموالاة الصغرى، واستدلّوا بقوله تعالى: {لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ} ولفظ أولياء هو لفظ محتمل، يحتمل الموالاة الكبرى والموالاة الصغرى، فلو قال"لا تتولوهم"لحملناها على الكبرى. والدليل الآخر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم (أَمَا إِنَّهُ قَدْ صَدَقَكُمْ) واعتبر بكونه من أهل بدر. فقالوا أنّ فعل حاطب رضي الله عنه هو من باب الموالاة الصغرى وبناء عليه، فهناك نوعين من الجاسوس: كافر ومسلم، والجاسوس المسلم، هو إذا تجسس أحد المسلمين لصالح الكفّار فهو يُعتبر كافر وفاعل كبيرة، ومع ذلك فأمره إلى اجتهاد الإمام، فقد يعزّره بالقتل، كما أفتى بذلك الإمام مالك والإمام ابن القيم.
واعتبار أن التجسس لصالح الكفّار هو من الموالاة الصغرى، هذا أمر يفتح بابا خطيرا وقد يُحدث شرخًا كبيرا، حيث أننا سنحتاج للتفريق بين من يفعل فعلًا مكفّرًا نتيجة الاعتقاد، ومن يفعله دون اعتقاد، وهذا الأمر سيؤدّي إلى اضطراب القاعدة، فالقاعدة لدينا أنّه من قال أو فعل الكفر فهو كافر وإن لم يقصد ذلك، فلا يقصد الكفر أحد إلّا ما شاء الله. والأمّة أجمعت على أنّ مظاهرة المشركين على المسلمين ناقضًا من نواقض الإسلام، والتجسس أحد أنواع المظاهرة، بل أنّ التجسس خطره أكبر من أن يكون الإنسان في صف الكفّار لأنّ عداوته تكون ظاهرة، بخلاف الذي يتجسس بالسر.
ورأى الشيخ أبو يحي الليبي أنّ فعل حاطب ليس من الموالاة الكبرى، بل هو من الموالاة الصغرى، وذلك لأمرين: