مسألة: هل يجوز إظهار الكفر في حالة الحرب من باب الخداع
ومثال على ذلك أن يلبس صليبًا لينخرط بين صفوف الكافرين، أو أن يتطوّع في جيوشهم ليحدث فيها خللًا أو يسرّب منها معلومات، وهذه المسألة اختلف أهل العلم المعاصرين فيها على قولين:
المذهب الأوّل: من أجاز هذه القضيّة، ومنهم الشيخ أبو بصير الطرطوسي والدكتور أيمن الظواهري، الذي أجاز هذا الأمر واستدلّ بقول الحنفيّة الذين أجازوا للمسلم إذا وقع في قبضة الكفّار دار الحرب أن يقول بأنّه مشرك، أو نصراني، إذا غلب على ظنّه أنّه سيتخلّص من الأسر بهذا القول، واستدلّوا بقصّة محمد بن مسلمة، وقصّة عبد الله بن أنيس، وقصّة نعيم بن مسعود في غزوة الخندق، وقالوا أنّهم أظهروا الكفر من باب الخداع، واستدلّوا بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم (الحرب خدعةً) ، وكذلك في عصر صلاح الدين الأيّوبي أفتى العلماء للمسلمين بأن يلبسوا الصلبان والزنانير في حصار عكّا، حيث أرسل صلاح الدين بعض المسلمين فحلقوا لحاهم ولبسوا الصلبان والزنانير، ودخلوا عكّا بحجّة أنّهم نصارى وكانوا يحملون السلاح والطعام، فاستطاعوا أن ينقلوا السلاح والطعام إلى المجاهدين المحاصرين في عكا، وهذه القصّة نقلها العلماء ولم يعلّقوا عليها أو ينكروها، فهذا أشبه بالرضى عن ما جاء فيها فلو كان ما فيها من الكفر، لعلّقوا عليها وأنكروا ذلك الفعل. وكذا أبو بصير الطرطوسي حمل آية {إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً} على إظهار الكفر حالة الخوف.
المذهب الثاني: وهو مذهب الشيخ أبو قتادة الفلسطيني، والشيخ المقدسي، قالوا أنّه لا يباح إظهار الكفر حالة الحرب من باب الخداع، واستدلّوا بأنّ التوحيد هو غاية ما نريده من الجهاد، فالمجاهدين يجاهدون في سبيل تحقيق التوحيد، فلا يمكن أن نجعل من الغاية هي الوسيلة لتحقيق الوسيلة، فإن قلنا أنّ الجهاد هو لتحقيق التوحيد، فارتكاب الكفر الظاهر مخالف لهذا الأمر، فيصبح في هذه الحالة الجهاد هو المقصود لذاته، لكن التوحيد حقيقةً هو الغاية العظمى فلا يجوز أن ننقض هذه الغاية إلّا في حالة الإكراه الملجئ. وأمّا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم (الحرب خدعةً) ، فهذا الحديث ليس على عمومه، وإنّما قد يكون من باب التورية، فإنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يغزو غزوة ورّى بغيرها، وأهل العلم لم يأخذوا بهذا الحديث في باب الخداع وقالوا أنّه لا يجوز أن يُخدع العدو عن طريق العقود والمواثيق، ثم نقضها من باب الخداع، لأنّ هذا يُعتبر من باب الغدر، فالغدر محرّم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَة) ، أمّا آية {إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً} فهي محمولة على المداراة والتورية وإخفاء الدين الحق، فمحمّد بن مسلمة، وعبد الله بن أنيس، قاما بالمداراة والمعاريض، ونعيم بن مسعود قام بكتمان الدين، ولم يظهر أحد منهم الدين الباطل. فإن دخل المسلم على جيش العدو مستخدمًا المعاريض، أو أن يلبس لباس الجيش (وهو ليس بلباس كفر) ويقول لهم أنا من الجيش (ويقصد من جيش المسلمين) فهذا من باب التورية.
أمّا قصة ما حدث مع صلاح الدين أيّام حصار عكّا، فهذه الحالة التي كان بها المسلمين تعتبر من حالات الإكراه، فقد كانوا في حالة حصار، يتعرّضون للجوع والقتل والأذى الشديد، فلو عرض عليهم أن يقولوا الكفر ويخرجوا من هذا الأمر لجاز لهم، لما كانوا يعانون، والمعلوم أنّ الإكراه على الغير يُعتبر إكراهًا على النفس، لذلك عندما حوصر هؤلاء المسلمين داخل الحصن، أصبحوا بمثابة المكرهين، والمسلمين في خارج الحصل كانوا أيضًا بمثابة المكرهين، لذلك فعلوا هذا الفعل.
إذن نستطيع القول أنّ المسلمين لا يجوز لهم إظهار الكفر من باب الخداع للعدو، إلّا في حال تعرّض المسلمين لأذى شديد وكان بالإمكان فكّ هذا الأذى عنهم عن طريق إظهار الكفر ففي هذه الحالة الأمر مباح.
قصة حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه
جاء في صحيح البخاري عن علي رضي الله عنه قال: (بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَا وَالزُّبَيْرَ وَالْمِقْدَادَ فَقَالَ:"انْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ فَإِنَّ بِهَا ظَعِينَةً مَعَهَا كِتَابٌ فَخُذُوا مِنْهَا"قَالَ فَانْطَلَقْنَا تَعَادَى بِنَا خَيْلُنَا حَتَّى أَتَيْنَا الرَّوْضَةَ فَإِذَا نَحْنُ بِالظَّعِينَةِ قُلْنَا لَهَا أَخْرِجِي الْكِتَابَ قَالَتْ مَا مَعِي كِتَابٌ، فَقُلْنَا لَتُخْرِجِنَّ الْكِتَابَ أَوْ لَنُلْقِيَنَّ الثِّيَابَ، قَالَ فَأَخْرَجَتْهُ مِنْ عِقَاصِهَا فَأَتَيْنَا بِهِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا فِيهِ مِنْ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ إِلَى نَاسٍ بِمَكَّةَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ يُخْبِرُهُمْ بِبَعْضِ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"يَا حَاطِبُ مَا هَذَا"قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا تَعْجَلْ عَلَيَّ إِنِّي كُنْتُ امْرَأً مُلْصَقًا فِي قُرَيْشٍ يَقُولُ كُنْتُ حَلِيفًا وَلَمْ أَكُنْ مِنْ أَنْفُسِهَا وَكَانَ مَنْ مَعَكَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ مَنْ لَهُمْ قَرَابَاتٌ يَحْمُونَ أَهْلِيهِمْ وَأَمْوَالَهُمْ فَأَحْبَبْتُ إِذْ فَاتَنِي ذَلِكَ مِنْ النَّسَبِ فِيهِمْ أَنْ أَتَّخِذَ عِنْدَهُمْ يَدًا يَحْمُونَ قَرَابَتِي وَلَمْ أَفْعَلْهُ ارْتِدَادًا عَنْ دِينِي وَلَا رِضًا بِالْكُفْرِ