الصفحة 143 من 194

3 -كتمان الدين الحق: وجاء كتمان الدين في القرآن الكريم في قوله تعالى: {وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ} ، وكذلك كان هذا فعل الصحابة قبل الهجرة، وفعل زوجة فرعون، وهنا وجب التنبّه إلى أنّ كتمان الدين الحق لا يعني إظهار الدين الباطل، فإظهار الدين الباطل أمر غير جائز إلّا في حالة الإكراه الملجئ، فهو في حالة التقيّة له أن لا يُعلن إسلامه، لكن لا يجوز أن يعلن كفره

فكلمة {إِلَّا} في الآية الكريمة هنا أصبح معناها"لكن"بمعنى استدراك، أي أنّ الله تعالى لم يبح لنا أن نتخذهم أولياء، لكن أباح الله أن يتقيهم الإنسان بلسانه أو أن يقوم بالمعاريض والمحتملات، أو أن يكتم الدين الحق.

وهناك من أخطئ في فهم التقيّة، فقال أنّ التقيّة بمعنى الخوف، فقال أنّ الإنسان يجوز له أن يوالى الكفّار عندما يكون هناك حالة خوف، وجهل آية التقيّة وآية الإكراه نظيرتان لبعض، فقال لا تتخذوهم أولياء إلّا عندما تخافوهم، فأباح لهم التولّي عند الخوف، لكن كلامهم هذا يناقض قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} ، والعلماء عندما فسّروا التقيّة بالخوف فلم يبيحوا الكفر، وإنّما أباحوا المداراة، والمعاريض، وكتمان الدين الحق.

مسألة: ما الذي يرفعه الإكراه الملجئ

الإكراه الملجئ يرفع الأثر المترتّب على قول أو فعل الكفر سواء كان في الأصل أو كان في التفاصيل، كما حدث مع عمار بن ياسر الذي نزلت فيه آية الإكراه، قال ابن عباس: (نزلت هذه الآية في عمار، وذلك أن المشركين أخذوه، وأباه ياسرا، وأمه سمية، وصهيبا، وبلالا وخبابا، وسالما، فعذبوهم، فأما سمية: فإنها ربطت بين بعيرين ووجئ قبلها بحربة فقتلت، وقتل زوجها ياسر، وهما أول قتيلين قتلا في الإسلام، وأما عمار: فإنه أعطاهم ما أرادوا بلسانه مكرها)

مسألة: تأوّل الإكراه

قد يتأوّل بعض الناس الإكراه في مسألة من السائل، ويرتكب ناقض ينقض أصل الدين، دون أن يطالبوه بها الأمر، لكنّه تأوّل الإكراه، وقد يكون هذا الإكراه الذي تأوّله غير موجود وغير معتبر، لكن لأنّه تأوّل الإكراه، لكن مسألة الإكراه بذاتها ليست من أصل الدين، بل هي من التفاصيل، فإذا تأوّل الإنسان فعل الكفر، وتأوّل الإكراه، فهذا الناقض وإن كان أصليًّا فقد يتحوّل إلى ناقض تفصيلي بسبب تأوّل الإكراه.

مثال: إنسان كان في الأسر، فظنّ أنّه يباح له قول أو فعل الكفر لأنّه مأسور، فبادر من نفسه وقام بالكفر بنيّة خداعهم والتحرر من أسرهم.

أو إنسان في دار الحرب يُقبض عليه على انّه مسلم، فيقول لهم أنا نصراني ليتفلّت منهم.

فبسبب أنّه تأوّل الإكراه أصبح الناقض الذي ارتكبه في التفاصيل، وبالتالي يكون النظر في معايير أخرى، فقد تكون شبهته قويّة وقد تكون ضعيفة، لذلك فهناك نظر في أمر تكفير أعيان من انتسب إلى حزب من أحزاب الطواغيت الكافرة، أو انتسب إلى جيوشهم. فبالرغم من أنّ الفعل بذاته ناقضا، إلّا أنّ العلماء لم يكفّروهم بهذه النواقض، لأنّ الناس قد يتأوّلون الإكراه فيقولون أننا إن لم ننتسب لهذا الحزب أو لهذا الجيش فسيصيبنا أذى من قبل الطواغيت، وكذلك في أمر الانتخابات، فكثير من الناس يذهبون للاقتراع خوفًا من أن يؤذيهم الحاكم الكافر، بالرغم من أنّ هذا لا يُعتبر إكراها ولا ينطبق عليه شروط الإكراه، لكنّه تأوّل هذا الإكراه، فالتأويل هنا قد يكون معتبرًا لأنّه ليس من أصل الدين، ولأنّ لديه شبهة في قول الله تعالى: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ} ، وقوله {إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً} ، وهو يعتقد أنّ فعله مباح، وقد يكون لديه قرينة من سلوكه أو من قصة الحادثة، فالتأويل هنا يكون معتبرا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت