الصفحة 142 من 194

ورأى السيوطي أنّنا لا نستطيع القول بالأخذ بالرخصة بإطلاق، ولا الأخذ بالعزيمة بإطلاق، فالأمر متعلّق بباب المصلحة والمفسدة، فإن ترتّب على الرخصة مصلحة أكبر للمسلمين، كان الأخذ بها أولى، مثل شخص لديه علم يريد نشره، أو عمل يصب في مصلحة المسلمين يريد إتمامه، فيأخذ بالرخصة ليتوقّف عنه الإكراه ثمّ يعود إلى أمره، أمّا لو لم يترتّب على الرخصة مصلحة فالعزيمة أفضل.

مسألة: الفرق بين التقيّة والإكراه

وهذه المسألة كثيرًا ما يحصل فيها الخلط والخطأ، قال تعالى في التقيّة: {لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِير} ، وقال في الإكراه: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ}

قوله {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ} فهذه تُحمل على الكفر، واستثنى حالة وهي: {إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً}

وقوله: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ} وهذه دالة على فعل الكفر، واستثنى حالة وهي: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ}

فهناك نوع من التشابه بين الآية الأولى والثانية، فبناء على ذلك اختلف العلماء في العلاقة بين التقيّة والإكراه على مذهبين.

المذهب الأوّل: وهو مذهب الطبري وابن كثير وابن حزم رحمهم الله، يقول بأنّ التقيّة هي الإكراه، لتشابه نصوص الآيتان، فقالوا:"لا يجوز للإنسان أن يفعل الكفر إلّا من باب التقيّة"، أي من باب الإكراه، فيجعلون كلمة التقيّة مرادفة للإكراه.

فإذا اعتبرنا أنّ التقيّة هي الإكراه، إلّا هنا تكون حرف استثناء، فيكون المعنى أنّه لا يجوز للإنسان الكفر، أو تولّي الكافرين إلّا في حالة واحدة وهي الإكراه الملجئ.

المذهب الثاني: وهو مذهب الكثير من أهل العلم ومنهم شيخ الإسلام، وهو أنّ هناك فرق بين التقيّة والإكراه، فالتقيّة هي حالة الخوف، فعند وصول الخوف للمسلم فيباح له التقيّة، وذلك بأن يكون تحت سلطان قوم كافرين، وأنّه يخاف من أذاهم (فإكراهه هنا ير ملجئ) ، فيباح له في هذه الحالة التقيّة، وفي حالة التقّية عند الخوف يباح له أمور:

1 -المداراة: يباح له المدارات ولا يباح له المداهنة، والفرق بينهما أنّ المداراة هي بذل الدنيا لأجل الدين، والمداهنة هي بذل الدين لأجل الدنيا، ومن السنّة روى البخاري في صحيحه: (أن رجلا استأذن على النبي صلى الله عليه و سلم فلما رآه قال"بئس أخو العشيرة وبئس ابن العشيرة". فلما جلس تطلق النبي صلى الله عليه و سلم في وجهه وانبسط إليه فلما انطلق الرجل قالت عائشة يا رسول الله حين رأيت الرجل قلت له كذا وكذا ثم تطلقت في وجهه وانبسطت إليه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم"يا عائشة متى عهدتني فحاشا إن شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة من تركه الناس اتقاء شره") فعمل الرسول صلى الله عليه وسلم كان من باب المداراة، وكذلك جاء عن أبي الدرداء أنّه قال:"إنا لنكشر في وجوه أقوام ونضحك إليهم وإن قلوبنا تلعنهم" (نكشر، بمعنى نضحك) ، أمّا المداهنة فقد جاءت بالذم، في قوله تعالى: {فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (8) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} . فالمداراة هي كأن يعطي المسلم نوعًا من التعامل الحسن مع السلطان الكافر ليسمح له بالصلاة في المسجد، أو أن يصلّي في المسجد، أمّا المداهنة كأن يحلق الرجل لحيته، أو تترك المرأة حجابها، حتّى لا تحصل له مضايقات من السلطان الكافر.

وقد يقول قائل أنّ المجاهد أحيانًا قد يضطر، إلى إخفاء شيء من شعائر دينه، كأن يخفي لحيته أو أن لا يصلي في المساجد لكي لا يُثير الشبهة حوله، فهل هو يقوم بنوع من المداهنة، فنقول أنّه قد يحلق أحدهم لحيته ويكون مأجورًا بذلك، وهذا بحسب المآل، فالذي يفعل هذه الأفعال لهدف كبير فيه مصلحة للمسلمين، فكتمان الدين هنا ليس بغرض أن يحصل على شيء من الدنيا، بل هو لخدمة دينه. وقد قال بعض أهل العلم ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية، أنّ الإنسان له أن يخفي شيئًا من شعائر دينه إذا كان مستضعفًا في دار الحرب، فقد يترتّب على إظهاره لها مفسدة أعظم، فقد يحتاج لحلق لحيته للتسلل إلى مناطق تابعة للعدو أو ما شابه.

2 -المعاريض والمحتملات: وهو أن يأت بكلام محتمِل للمعنى الصحيح والمعنى الفاسد، وهذا جائز في حالة الإكراه غير الملجئ، فيفهم منه العدو المعنى السيئ وهو يقصد في داخله المعنى الجيّد، كما في قصّة محمد بن مسلمة، وعبد الله بن أنيس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت