الصفحة 141 من 194

مسألة: هل للعالم أن يأخذ بالإكراه

ذكر شيخ الإسلام أنّ العالم لا يجوز له الأخذ بالإكراه، لأنّه هو الذي يبلّغ الدين، ويؤدّي للناس الرسالة بعد الأنبياء، وقال الإمام أحمد بن حنبل:"إذا أجاب العلماء تقية، والجاهل يجهل فمتى يتبين الحق"، و قال عمر رضي الله عنه:"هل تعرف ما يهدم الإسلام؟ قلتُ: لا، قال: يهدمه زلة العالم، وجدال المنافق بالقرآن، وحكم الأئمة المضلين"فإن أخذ العالم بالرخصة فقد يتّبه فيها الناس فيضر بذلك الدين، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل: (قال لا تشرك بالله شيئا وإن قتلت وحرقت) وذلك لأنّ معاذ بن جبل كان من كبار الصحابة فأخذه بالرخصة ليس كأخذ غيره بها، فعليه أن يجهر بالحق ولا يكتم العلم أو يزيّفه بحجّة الإكراه.

لكن إذا أخذ العالم بالإكراه، يأثم ولا يكفر بسبب وجود شبهة، وهذا مشابه لمسألة"من أدّى بضرر بالآخرين"فهذا الفعل محرّم، لكن هذا الشخص له شبهة، فهو لم يقصد إيقاع الأذى بالكفّار، بل قصد رفع الأذى عن نفسه، فهو آثم غير كافر، وكذلك العالم، لكن وجب على العالم العزيمة والتحمّل لكي يكون أسوة حسنة للأمّة، فإذا تنازل العالم التنازل البسيط، فالعامّة سيتنازلون التنازل الكبير. يقول ابن المبارك:

رَأَيْتُ الذُّنُوبَ تُمِيتُ الْقُلُوبَ ... وَقَدْ يُورِثُ الذُّلَّ إدْمِانُهَا

وَتَرْكُ الذُّنُوبِ حَيَاةُ الْقُلُوبِ ... وَخَيْرٌ لِنَفْسِكَ عِصْيَانُهَا

وهل أَفْسَدَ الدينَ إلا الملوكُ ... وأحْبَارُ سُوءٍ ورُهْبَانُهَا

وباعُوا النفوسَ ولم يَرْبَحُوا ... ولم تغْلُ في البَيْع أثْمَانُهَا

لقدْ رتعَ القومُ في جِيفَةٍ ... يَبِينُ لذِي العَقْلِ إنْتَانُهَا

فالذي أفسد الدين هم الملوك والأحبار والرهبان، فعندما يرى الناس العلماء والعبّاد هم أول المنبطحين، فسيكون دأبهم الانبطاح أكثر.

فائدة: يتبيّن من هنا خطورة العلم وكون الإنسان يصبح من أهل العلم، فهذه مسئولية عظيمة عانى فيها أهل العلم الأمرّين، كما عانى الإمام أحمد بن حنبل في فتنة خلق القرآن، فهو إمام الهدى والتقى رحمه الله، رجل علم أن مدار كلمة الأمة وصحة اعتقادها على قوله، فلابد أن يثبت وإن كان ثمن أن يلقى ما يلقاه من الأذى حتّى ولو وصل الأمر إلى إزهاق روحه في سبيل الحق، فهذه من العزيمة التي أخذ بها، فمثل أحمد بن حنبل لا يجوز له أن يأخذ بالرخصة في ذلك الزمان، أما في حقّ إنسان آخر ليس له رأي وليس من أهل العلم الذي يأخذ الناس بأقوالهم فيجوز لهم ذلك، وقد يجوز لهم أن يكفروا إذا طلب منهم تحت الإكراه.

ويحيى بن معين كان إمامًا لا يُستهان به في زمن أحمد بن حنبل، وهو شيخ أحمد بن حنبل في الحديث، قال: بخلق القرآن تحت الأذى والتعذيب، فخاصمه أحمد ولم يكفره، فلما دخل يحيى بن معين لزيارة أحمد أشاح عنه أحمد بوجهه، فقال يحيى: يا إمام، والله إنك لتعلم أني لا أعتقد ذلك، وأنت تعلم أني أعتقد أنه غير مخلوق؛ ولكني قلت ذلك مخافة السوط، والمعلوم أنّ يحيى بن معين كان رجلًا نحيف البدن، هزيل الجسم، فضربة بسوط أو سوطين قد تنهكه أو تميته، فهو قال مقالته مكرها.

مسألة: أيهما أفضل، العزيمة أم الرخصة

العزيمة: هي أن لا يخضع الإنسان لرغبة المكرِه، حتّى لو أدّى به ذلك إلى الأذى

الرخصة: هي أن يؤدّي ما طلب منه بسبب الأذى

جمهور العلماء (والبعض ادّعى الإجماع) على أنّ العزيمة أفضل من الرّخصة، واستدلّوا بقصّة الصحابيين الذين أسرا عند مسيلمة الكذّاب، فأحدهما أخذ بالعزيمة، والآخر أخذ بالرخصة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم عن الأوّل: هنيئًا له الجنّة، وعن الثاني: لا بأس عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت