مسألة: هل يأخذ بالرخصة إن كان ذلك سيؤدّي إلى ضرر المسلمين
أجمع العلماء أنّه إذا أكره مسلم على قتل مسلمًا آخر أو قتله أو عطبه، فلا يجوز له أن يفعل ذلك بحجّة الإكراه، وعليه بأن يتصلّب، فإن نفسه ليست بأولى من نفس أخيه المسلم، فبسبب الجهل بهذه القضيّة أُسِر الآلاف من المسلمين والمجاهدين، فأكثر من تسعين بالمئة من الأسرى الموجودين في سجون الطواغيت، قد اعتقلوا بسبب إفشاء معلوماتهم عن طريق مسلمين آخرين، فالإنسان له أن يعترف على نفسه دون إلحاق الضرر بغيره، فلا يُخَلّص نفسه على حساب نفس أخيه المسلم، لكن يستثنى من ذلك إن كان يتسبب بأذى خفيفًا أو إتلاف مال قليل يمكن تعويضه.
وقال المالكيّة:"إذا أكره إنسان على أن يقتل إنسانًا آخرًا فعليه القصاص"، وكذلك إفشاء أسرار المسلمين للكفّار هو ناقض من نواقض الإسلام، لكن عندما يكون هذا في حال الإكراه فقد قال العلماء أنّه بالرغم من إثمه إلّا أنّه لا يكفر، وذلك لوجود شبهة، ولأنّه لم يلتزم إفشاء أسرار المسلمين بل كان ملتزمًا بحماية نفسه من الأذى، ومما يؤيّد هذه القضيّة قصّة الغلام والساحر، وهي قصّة طويلة جاءت في صحيح مسلم، والشاهد منها (وكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص ويداوي الناس من سائر الأدواء فسمع جليس للملك كان قد عمي فأتاه بهدايا كثيرة فقال ما ههنا لك أجمع إن أنت شفيتني فقال إني لا أشفي أحدا إنما يشفي الله فإن أنت آمنت بالله دعوت الله فشفاك فآمن بالله فشفاه الله فأتى الملك فجلس إليه كما كان يجلس فقال له الملك من رد عليك بصرك؟ قال ربي قال ولك رب غيري؟ قال ربي وربك الله فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الغلام فجئ بالغلام فقال له الملك أي بني قد بلغ من سحرك ما تبرئ الأكمه والأبرص وتفعل وتفعل فقال إني لا أشفي أحدا إنما يشفي الله فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الراهب) والرسول صلى الله عليه وسلم لم يذكر في هذه القصّة نوع من التعنيف أو الإنكار على إقرارهما، وإن قال قائل أنّ الغلام دون سن التكليف، نقول أن جليس الملك أيضًا أقرّ على الغلام وهو مكلّف، وجاء بالقصّة ما يؤيّد موت هذا الرّجل على الإسلام، قال صلى الله عليه وسلم: (ثم جيء بجليس الملك فقيل له ارجع عن دينك فأبى فوضع المئشار في مفرق رأسه فشقه به حتى وقع شقاه)
مسألة: هل الإكراه على الغير كالإكراه على النفس
وهنا يُطلب من الإنسان قولًا أو فعلًا، وإن لم يقم به سيؤدّي ذلك إلى أن يوقِعَ المكرِه أذى على شخص آخر، والعلماء اختلفوا في هذه المسألة على مذهبين
المذهب الأوّل: الإكراه على الغير ليس إكراهًا على النفس، لأنّ الإكراه لم يقع على عين الشخص، ومن شروط الإكراه أن يكون ملجئًا، وبالتالي إن لم يتعرّض الإنسان إلى الأذى فليس عليه أن يتحمّل عواقب أذيّة غيره.
المذهب الثاني: والذي يمثله البخاري رحمه الله وهو الصحيح والله أعلم، اعتبر أنّ الإكراه على الغير هو إكراه على النفس، لأنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ) ، وقال: (تَرَى الْمُؤْمِنِينَ فِي تَرَاحُمِهِمْ وَتَوَادِّهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى عُضْوًا تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ جَسَدِهِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى) فالمسلم عندما يقع الأذى على أخوه المسلم، كأنّ الأذى وقع عليه.
مسألة: هل الإكراه يقع على الأقوال فقط، أم على الأقوال والأفعال
وهذه المسألة وقع فيها خلاف،
المذهب الأوّل: بعض العلم يرى أن الإكراه لا يقع إلا على الأقوال، فإذا أُكره الإنسان على قول الكفر، فيباح له أن يقول الكفر إذا تحققت شروط الإكراه، أمّا إن أُكره على فعل (كالسجود للصنم) فليس له أن يفعل ذلك. وهذا المذهب فيه نظر، لكن نستطيع أن نحمل كلام أهل هذا المذهب في حالة السجود على أنّ الإنسان يستطيع أن ينوي السجود لله تعالى، ولا يضرّه كون الصنم أمامه، فلعلّ أهل هذا القول قالوا به من هذا الباب.
المذهب الثاني: وهو مذهب الجمهور، أنّ الإكراه يقع على الأفعال كما يقع على الأقوال، وذلك لعموم الإكراه في الأدلّة وعدم ورود دليل يخصص الإكراه بالأقوال،